«حرب غزة».. استمرار الاحتلال وتأجيل «حل الدولتين» عثرات في مسار التسوية

كتب: محمود العيسوي

«حرب غزة».. استمرار الاحتلال وتأجيل «حل الدولتين» عثرات في مسار التسوية

«حرب غزة».. استمرار الاحتلال وتأجيل «حل الدولتين» عثرات في مسار التسوية

فى واحدة من أكثر اللحظات حساسية فى تاريخ الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، تبدو فرص إنهاء الحرب على غزة أقرب من أى وقت مضى، مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فمع بداية هذا الأسبوع، يفترض أن تلتزم كل من إسرائيل وحركة «حماس» بوقف شامل للأعمال القتالية، تسكت فيه المدافع، وتنسحب قوات جيش الاحتلال من مواقعها الحالية، إلى خطوط متفق عليها داخل القطاع، فى حين تفرج الحركة الفلسطينية عن جميع المحتجزين الأحياء، مقابل إطلاق سراح 250 أسيراً فلسطينياً محكومين بالمؤبد، إضافة إلى 1750 معتقلاً، احتجزتهم سلطات الاحتلال على مدار العامين الماضيين، وسرعان ما ستتدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، ليبدأ الفلسطينيون محاولاتهم الشاقة لإزالة الركام، وإحياء مظاهر الحياة، وإعادة النشاط التجارى، ولو بشكل محدود.

لكن هذه الخطوات، وفقاً لخطة السلام التى أعلنها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ليست سوى المرحلة الأولى من عملية معقدة وطويلة، إذ يتعين أن تعقبها مرحلة ثانية أكثر صعوبة، تتضمن نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاباً إسرائيلياً أعمق، ليقتصر وجودها على منطقة عازلة داخل أراضى القطاع، على أن يتم الانسحاب الكامل حين تنتفى التهديدات الموجهة إلى إسرائيل، كما تنص الخطة على إنشاء مجلس سلام لإدارة شئون غزة، يتولى الإشراف على حكومة تكنوقراط فلسطينية، بمساندة قوة استقرار دولية، ومشروعات إعادة إعمار واستثمار واسعة النطاق، على أن تشمل المرحلة الثانية إصلاحاً جوهرياً فى بنية السلطة الفلسطينية، التى تدير الضفة الغربية، تمهيداً لإعادة توحيد النظام السياسى الفلسطينى، وتهيئة الطريق أمام تحقيق حق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

«فورين أفيرز»: الضغوط الأمريكية على إسرائيل والعربية على «حماس» قد تكون «مفتاح» التوصل إلى «سلام دائم»

ووفق تقرير لمجلة «فورين أفيرز» فإن تنفيذ هذه الأهداف لن يكون سهلاً، إذ سيتعين على المفاوضين معالجة قضايا تقنية وسياسية بالغة التعقيد، مثل تحديد جدول الانسحاب الإسرائيلى، وتركيبة القوة الدولية المنتظر نشرها فى غزة، ومهامها ومناطق انتشارها، وتشير التقديرات الأولية إلى أن مصر والإمارات ستتوليان تنسيق عمل هذه القوة عند المعابر، فى حين تتكفل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التى سيُعاد تدريبها فى مصر والأردن، بحفظ الأمن الداخلى فى القطاع، ومع ذلك، ترى الصحيفة الأمريكية أن كلاً من القوة الدولية، وكذلك إسرائيل، قد تواجهان بعض المحاولات من جانب «حماس»، لإعادة بسط نفوذها على العشائر المحلية فى غزة، كعشائر «الشباب والأستال والمنسى والدعمش»، وهى العشائر التى تعاون بعضها مع الاحتلال الإسرائيلى خلال الحرب على غزة، وإذا ما أقدمت الحركة الفلسطينية على مثل هذه الخطوة، فلن يكون واضحاً كيف سيتصرف الطرفان، أو ما إذا كانت هناك آلية جاهزة لمنع تكرار دوامة الصراع.

ورغم أن الطريق محفوف بالمخاطر، فإن هناك مؤشرات تدعو إلى التفاؤل، إذ يمكن للقوى التى نجحت فى فرض المرحلة الأولى من الاتفاق، أن تمهد الطريق لإنجاز المرحلة الثانية، فواشنطن قادرة على مواصلة الضغط على إسرائيل، كما تستطيع الدول العربية تكثيف ضغوطها على «حماس»، مستفيدةً من قنوات الاتصال، التى تم إنشاؤها خلال المفاوضات الحالية، وفى المقابل، يمكن لإسرائيل أن تستثمر تعاونها مع العواصم العربية فى بناء نظام حكم مستقر وسلمى فى غزة.

وتشير «فورين أفيرز»، فى تقريرها، إلى أن التوصل إلى وقف إطلاق النار لم يكن ممكناً لولا الضغوط المكثفة التى مارسها الرئيس الأمريكى، الذى بعث برسالة واضحة إلى جميع الأطراف، بأن الوقت قد حان لإطلاق سراح المحتجزين وإنهاء الحرب، فقد أعاد «ترامب» التأكيد على الحقيقة القديمة، التى أدركها الرئيس المصرى الراحل أنور السادات، مبكراً عام 1977، حين قال إن «واشنطن تمسك بـ99% من أوراق اللعبة» فى الصراع العربى الإسرائيلى.

وخلال الأسابيع الأخيرة، استخدم «ترامب» نفوذه لدفع رئيس الوزراء الإسرائيلى إلى قبول الاتفاق، بعدما تمكن «نتنياهو» من المراوغة، أمام إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، مستنداً إلى دعم الجمهوريين فى الكونجرس، لكنه لم يجد مثل هذه المساحة مع «ترامب»، الذى لا يمكن لأى مسئول إسرائيلى أن يتحمل كلفة تحديه، وفى الوقت نفسه، لعب «ترامب» دوراً محورياً فى الضغط غير المباشر على «حماس» من خلال الدول العربية وتركيا، التى تربطها به مصالح استراتيجية واقتصادية كبرى، ومضت الصحيفة الأمريكية إلى القول إن الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، يطمح إلى استعادة برنامج المقاتلات الأمريكية «إف-35»، فى حين يسعى ولى العهد السعودى، الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، إلى تعزيز التعاون مع واشنطن فى مجالات الذكاء الاصطناعى والدفاع، بينما حصلت قطر بالفعل على التزام أمنى أمريكى يعادل تقريباً ضمانات حلف «الناتو».

أما الدول العربية الأساسية، وخاصة ما يُعرف بـ«الرباعى العربى»، الذى يضم كلاً من «مصر والأردن والسعودية والإمارات»، فترى فى استمرار الحرب تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلى وخططها التنموية الطموحة، فضلاً عن الغضب الشعبى المتزايد فى الشارع العربى، الذى قد يتحول إلى عامل ضغط سياسى يصعب احتواؤه، لذلك، وجدت هذه الدول فى «خطة ترامب» نافذة لتحقيق ذلك، مقابل ممارسة ضغط حقيقى على «حماس».

على الجانب الإسرائيلى، باتت المؤسسة السياسية والعسكرية تدرك أن تفوقها العسكرى لم يعد كافياً لتعويض خسارتها السياسية الفادحة، فإسرائيل اليوم فى عزلة غير مسبوقة على الساحة الدولية، فقد انقلبت مواقف العديد من الدول الأوروبية الصديقة، وبدأت تعترف بدولة فلسطين، أو تندد علناً بما تصفه بـ«جرائم الحرب فى غزة»، كما تشهد العواصم الأوروبية مظاهرات ضخمة ضد سياسات تل أبيب، بينما تتراجع شعبيتها حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً بين الديمقراطيين والمستقلين والشباب الجمهوريين، وإزاء هذه العزلة المتصاعدة، بات من الواضح أن استمرار الحرب لن يجلب الأمن لإسرائيل، بل مزيداً من الخسائر الدبلوماسية والاقتصادية، وهكذا، اضطر «نتنياهو»، فى النهاية، إلى القبول بفكرة وقف الحرب، والبحث عن مخرج سياسى.

وأشارت «فورين أفيرز»، فى تقريرها، إلى أنه رغم أن «حماس» قد تحاول خرق الاتفاق، أو استعادة نفوذها المسلح داخل غزة، فإن ميزان القوى الإقليمى الجديد يقلل من فرص نجاحها، فالدول العربية، التى ستقود جهود إعادة الإعمار، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تتبنى هدفاً مشتركاً مع إسرائيل، يتمثل فى نزع سلاح الحركة، ومنعها من السيطرة على القطاع مستقبلاً.

وتشير التحليلات إلى أن تنفيذ المرحلة الأولى بنجاح سيوجد زخماً إيجابياً للمرحلة التالية، إذ لن يرغب أى طرف فى الظهور بمظهر من يشعل الحرب مجدداً، ومع ذلك، يتعين على الإدارة الأمريكية أن تتحرك سريعاً لتوضيح تفاصيل النقاط العشرين المتبقية فى خطة ترامب، بما فى ذلك آليات نزع السلاح، ومراحل الانسحاب الإسرائيلى، وتركيبة القوة الدولية المنتظر نشرها فى غزة، ومدى مشاركة جيوش من خارج المنطقة فى هذه القوة، والدور اللوجيستى والاستخباراتى، الذى ستضطلع به واشنطن لدعمها، كما يجب وضع آليات دقيقة لتوزيع المساعدات الإنسانية، وضمان وصولها إلى مستحقيها، دون أن تقع فى أيدى المسلحين.

وتتابع الصحيفة الأمريكية أن الدول العربية، من جانبها، مطالبة بالاستمرار فى الضغط على كل من «حماس» والسلطة الفلسطينية، والمضى قدماً فى إصلاح النظام السياسى الفلسطينى من الداخل، بما فى ذلك استبدال القيادة الحالية بشخصيات تحظى باحترام دولى، فى خطوة تمهّد لتوحيد غزة والضفة تحت سلطة واحدة، ويرى المحللون أن هذا التحول فى الموقف العربى يمثل «نقطة فاصلة»، إذ كانت الدول العربية تاريخياً تتعامل مع القضية الفلسطينية كشعار سياسى أكثر منها قضية قابلة للحل، أما اليوم، فهى تدرك أن تجاهلها قد يهدد استقرارها الداخلى ومصالحها الاستراتيجية. وحتى فى الجانب الإسرائيلى، فإن التعاون مع الدول العربية لإعادة بناء غزة، يمكن أن يصب فى مصلحة تل أبيب على المدى البعيد، سواء من خلال تحسين صورتها الدولية، أو تقليص دوافع التطرف، غير أن ذلك يتطلب إعادة ترميم العلاقات المتوترة بين إسرائيل وعدد من العواصم العربية، وهو ما سيحتاج إلى جهود دبلوماسية كبيرة، وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إنه رغم أن هذه المسارات محفوفة بالعقبات، لكن البديل عنها هو العودة إلى جحيم الحرب، وإذا ما واصلت واشنطن، بالتنسيق مع شركائها العرب، ممارسة الضغط المتبادل، وضمان استمرار الحوار بين «حماس» وإسرائيل، فقد يكون من الممكن هذه المرة وضع حد حقيقى لهذه الحرب، التى أنهكت الجميع، وفتح صفحة جديدة من التسوية والسلام فى الشرق الأوسط.


مواضيع متعلقة