أعظم النعم
أعظم النعم
لم يترك الخالق العظيم البشر يحتارون وهم يقفون على عتبة الحياة، ليختاروا لأنفسهم الطريق الذى يسيرون فيه، بل منحهم الأداة التى يمكنهم الاهتداء بها حين تغمض عليهم المواقف وتتفرق بهم السبل، منحهم العقل الذى يميز بين الخير والشر والصواب والخطأ، واليسرى والعسرى، والحسن والسيئ، والإحسان والإتلاف، ولم يتوقف عطاء الهدى الإلهى عند هذا الحد، بل بعث بأنبيائه ورسله يحملون رسالة الهدى السماوى إلى الناس.. رسالة الهدى التى تبصرهم بنتاج السعى القائم على العطاء، وعواقب السعى القائم على البخل والاستئثار والاحتكار.. يقول تعالى: «فَأَما مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى».
فالبحث عن الأفضل والأحسن والأقوم هو جوهر رسالة الإنسان فى الحياة السعيدة، أما السعى العكسى المدفوع بالأثرة والأنانية والرغبة فى الاستحواذ فهو أصل الشقاء فى الحياة، شقاء الفرد وشقاء المجموع، فالفرد المُكذَّب بالحسنى يندفع إلى الأسوأ ويؤثره ويفضله، وهو يدفع المجموع من حوله إلى حالة مستطيرة من السوء، والمدفوع بغرائزه الشيطانية، البعيدة عن هدى العقل والإيمان، جائع لا يشبع، ظامئ لا يرتوى، فمهما أكل وعبَّ وشرب، فإنه يريد المزيد والمزيد حتى يغرق فى بحر طمعه، وهو فى كل الأحوال لن ينال إلا الشقاء، فذلك قدره الذى اختاره بملء إرادته. فالله تعالى جعل الإيمان بالأفضل والأخير (التصديق بالحسنى) أساس السعادة فى الدنيا والآخرة، وجعل الإيمان بالأسوأ والأشر (التكذيب بالحسنى) أساس الشقاء فى الدنيا والآخرة.. يقول تعالى: «وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى».
السقوط فى نار الشقاء هو عقاب الله فى الدنيا، فلا جحيم فى الحياة يعدل جحيم الشقاء، حين يعيش الإنسان محروماً من السلام النفسى، والتصالح مع الذات، والوئام مع المجموع الذى يعيش بينه، ويصبح هذا الجحيم مزدوجاً حين يخرج الإنسان من الحياة الدنيا ويدخل من باب الآخرة ليحاسب على سعيه فى الدنيا: «فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى»، فمن يكذب بمبدأ الحسنى ويدير ظهره لقيم العطاء والاستقامة فإنه يلقى جزاءه العادل.
نار الشقاء يتجنبها فقط الأتقى المجبول على العطاء للحياة والأحياء، والذى لا يفعل ذلك إلا إصلاحاً للحياة، وتحقيقاً للرسالة التى ارتضاها الله تعالى للبشر فى هذه الدنيا، رسالة الإعمار وتحسين شروط العيش لكل البشر، إنه يبغى بعطائه خالقه العظيم الذى منحه نعمة الحياة، والقادر على أن يمنحه السعادة فى الحياة، وجوهر السعادة فى هذه الحياة هو الرضا.. يقول تعالى: «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى».
فكر فى هذا السؤال: هل ثمة نعمة فى هذه الحياة أعظم من نعمة الرضا؟