نقاد: بصمة يوسف شاهين لا تُمحى في تاريخ الفن السابع

كتب: بسمة شطا

نقاد: بصمة يوسف شاهين لا تُمحى في تاريخ الفن السابع

نقاد: بصمة يوسف شاهين لا تُمحى في تاريخ الفن السابع

منذ مائة عام وُلد طفل لم يكن أحد يتوقع أن يصبح لاحقاً واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الفن المصري. وفي مئويته اليوم، لا نحتفل بميلاد مخرج فحسب، بل بولادة رؤية مختلفة للسينما؛ رؤية ترى الإنسان بكل تناقضاته، وتكشف الواقع دون أن تسلبه الحلم.

يوسف شاهين جعل الكاميرا اعترافاً بالواقع، واللقطة توثيقاً للحظة، والفيلم ساحة مفتوحة للأسئلة. ما زال حاضراً بأفلامه التي كانت دائماً جريئة وصادقة ومليئة بالحياة. فمئويته ليست مجرد استعادة للماضي، بل تأكيد أن الفن الحقيقى لا ينتهي، بل يعيد اكتشاف نفسه مع كل مشاهدة جديدة، خاصة أنه قدّم تاريخاً طويلاً زاخراً بالأعمال المهمة.. ذلك التاريخ رصد من خلاله شاهين رؤى وزوايا جديدة للحياة والبشر، عبر مجموعة أعمال فنية يراها كل مشاهد بعينه، وكل ناقد برؤيته الخاصة، لكنهم اتفقوا جميعاً على أنه كان مخرجاً فريداً.

حيث قال الناقد محمود قاسم، في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، إن المخرج الراحل يُعد واحداً من أكثر المخرجين تفرداً واختلافاً في تاريخ السينما المصرية والعالمية، مشيراً إلى أنه بدأ مشواره السينمائي مبكراً جداً، فأخرج أول أفلامه عام 1950 وكان عمره لا يتجاوز 24 عاماً، واستمر في العمل والإبداع حتى آخر لحظة في حياته وصولاً إلى فيلمه الأخير.

وأوضح «قاسم» أنه كان غزير الإنتاج ومتنوّع التجارب، إذ قدّم أعمالاً شديدة الأهمية إلى جانب أعمال أقل مستوى، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الإحساس بوجود مخرج موهوب ومتميز يقف خلف الكاميرا، مضيفاً: «حتى لو كان الفيلم ضعيفاً، تشعر دائماً أن وراءه يوسف شاهين، صاحب البصمة المختلفة».

وأشار إلى أن من أهم سمات شاهين اعتماده الكبير على قوة السيناريو، لافتاً إلى أن السيناريو الجيد كان يخرج منه فيلم عظيم، بينما السيناريو الضعيف ينعكس بالضرورة على مستوى العمل، وهي سمة مشتركة بين أغلب المخرجين الكبار.

كان غزير الإنتاج ومتنوع التجارب وقدّم أعمالاً شديدة الأهمية «باب الحديد» العربي الوحيد بقائمة 1001 فيلم عالمي

وتحدّث «قاسم» عن المكانة العالمية لأعمال يوسف شاهين، موضحاً أنه خلال وجوده في فرنسا اطلع على كتاب «1001 فيلم يجب أن تشاهدها قبل أن تموت»، وكان فيلم «باب الحديد» هو الفيلم العربي الوحيد المدرج ضمن القائمة، مؤكداً أن هذا الفيلم يُعد علامة فارقة في تاريخ السينما العالمية ولا يمكن الاختلاف على قيمته الفنية، خاصة لما يحمله من جدلية ورؤية جريئة عن القاهرة وقلبها والناس الذين يعيشون فيها.

وأضاف أن قوة يوسف شاهين الإخراجية ظهرت مبكراً جداً، تحديداً فى فيلمه الثانى «ابن النيل» الذى أخرجه فى سن الخامسة والعشرين، معتبراً إياه من أجمل أفلام السينما المصرية على الإطلاق رغم كونه مقتبساً عن رواية، إلى جانب أفلام أخرى متميزة مثل «صراع فى الوادى» و«صراع فى النيل».

وأكد أن أفلاماً مثل «باب الحديد» و«حبي الأبدي» تُعد من أهم محطاته السينمائية، كما وصف فيلم «فجر يوم جديد» بأنه من الأعمال المهمة فى مسيرته، مشيراً إلى أن فيلم «الأرض» استمد قوته من قوة السيناريو وأن نهايته تُعد واحدة من أقوى النهايات فى تاريخ السينما العالمية.

وتطرّق «قاسم» إلى مرحلة التجريب فى مشوار يوسف شاهين، حيث اتجه لتقديم أفلام مختلفة ومتباينة حينما قرر أن ينظر إلى غيره ممن قدّموا أعمالاً كان لها أثر كبير، فنظر إلى المخرج العالمي بوب فوس الذى قرّر أن يقدم أعمالاً من حياته الخاصة، فقرر شاهين خوض نفس التجربة فقدّم أعمالاً مثل «إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان» و«حدوتة مصرية»، ساعياً من خلالها إلى استكشاف أشكال جديدة في السينما وترك أثر مختلف، حتى جاء تعاونه مع شركة إنتاج فرنسية وفّرت له إمكانيات مادية أكبر، فعاد مرة أخرى إلى السينما التاريخية بعدما كان قد قدّم «الناصر صلاح الدين»، فقدّم أعمالاً مثل «المصير» و«الآخر».

وأكد الناقد الفني أن عالم يوسف شاهين لا يزال مليئاً بالمناطق المجهولة لدى الجمهور، مشيراً إلى أعمال أقل شهرة ولكنها مهمة للغاية مثل «نساء بلا رجال» بطولة هدى سلطان، كما ذكر أن يوسف شاهين نفسه كان ممثلاً، وهو ما أضاف إلى وعيه السينمائي وعمق رؤيته الإخراجية، ليظل واحداً من أكثر المخرجين تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ السينما.

أما الناقدة الفنية ماجدة خيرالله فقالت إن معظم أعمال المخرج الراحل يوسف شاهين تُعد من الأعمال المتميزة للغاية وشكلت نقلات حقيقية في تاريخ السينما المصرية، مشيرة إلى أن عدداً من أفلامه باتت علامات بارزة لا يمكن تجاوزها.

وأوضحت «ماجدة» أن من بين هذه الأعمال فيلم «عودة الابن الضال» الذي وصفته بالفيلم الملحمي المهم بكل تفاصيله، إلى جانب أفلام مثل «حدوتة مصرية» و«العصفور»، معتبرة أنها محطات فنية مؤثرة في مسيرته الإبداعية وفي تاريخ السينما المصرية بشكل عام.

وأضافت أن هناك أعمالاً شكّلت محطات فارقة في تاريخ يوسف شاهين الفني وكان لها أثر بالغ على مستوى الفن والتاريخ، من بينها فيلم «الأرض» و«صلاح الدين»، مؤكدة أن هذه الأفلام تتمتع بأهمية فنية وتاريخية خاصة ومن الصعب تكرار نماذج مشابهة لها.

واختتمت تصريحاتها بالإشارة إلى أن أبرز ما ميَّز يوسف شاهين عن غيره من المخرجين هو إخلاصه المطلق لفنه، إذ لم يكن يضع أي اعتبارات سوى العمل الفنى نفسه دون حسابات أخرى، إلى جانب امتلاكه تمكّناً شديداً وأدوات راسخة في مهنته الإخراجية.

وقال الناقد أحمد سعد الدين إن المخرج يوسف شاهين علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، مشيراً إلى أن مسيرته الفنية بدأت بتعلم السينما في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يعود إلى مصر عام 1949 ليبدأ رحلته كمخرج، وكان أول أفلامه «بابا أمين» الذي اعتبره بمثابة إرهاص للفكر الجديد لدى الشباب المصري، بينما كشف فيلمه الثاني «ابن النيل» عن رؤية مختلفة لمخرج شاب يسعى لترك بصمته الخاصة.

وقال: «إن التقنية والاهتمام بالتعبير البصري كانا من أهم مميزات شاهين، فهو كان يولى أهمية خاصة للوجه المعبر والكادرات الدقيقة، حتى إن أي لقطة من أفلامه تكفي للتعرف على توقيعه الفني، بينما كانت اللغة السينمائية لديه دائماً رفيعة المستوى دقيقة ومعبرة عن العمق النفسي والسياسي للشخصيات».


مواضيع متعلقة