الدكتور محمد ورداني يكتب: «أيّها الولد».. حين يُنتج العلم سلوكا

كتب: محرر

الدكتور محمد ورداني يكتب: «أيّها الولد».. حين يُنتج العلم سلوكا

الدكتور محمد ورداني يكتب: «أيّها الولد».. حين يُنتج العلم سلوكا


في الأزمنة الماضية لم تكن المعرفة مجرد نافلة إذا قام بها البعض لم يُلزم بها الآخرون، بل كانت فريضة لا يرضى تاركها عن نفسه، وبها قامت الأمة على أيدي علماء أجلاء سطروا بأقلامهم حروفًا من نور، لكنها لم تجد من يمدّها بالوقود لتظل تضيء الطريق وتنير القلوب وتحفظ العقول.

ولعلّ من بين هذه النماذج التربوية الخالدة، والتي حافظت على حضورها عبر القرون فتربّى على مفرداتها أجيال، تأتي رسالة «أيها الولد» للإمام أبي حامد الغزالي، بوصفها أحد أهم المتون المختصرة التي صيغت بروح تربوية عملية، تستهدف بناء الإنسان من الداخل قبل الخارج.

وبعيدًا عن «الغزالي» كأسطورة علمية، وما قدّمه من كنوز مضيئة في سماء العلم والمعرفة، فإن إسهامه هذا الكتاب في خصوصه يُعدّ من الجرعات التربوية المهمة التي ينبغي لكل راعٍ في بيته أن يحرص على التمسّك بتطبيق ما ورد فيها قبل اقتنائه، ولمَ لا؟ وقد خُصّ الكتاب بأنه من ذوات الأثر العميق في تاريخ الفكر الإسلامي، فهو خلاصة تجربة علمية وروحية طويلة صاغها الإمام في صورة رسالة ناصحة إلى أحد طلابه لتكون صالحة لكل شاب ناشئ، مما جعل هذا الكتاب يحظى بعناية فائقة من العلماء قديمًا وحديثًا، لدرجة اعتباره من أهم الرسائل التي تُجسّد الحياة التربوية عمليًا عند الإمام الغزالي.

ومن جملة القول بأن هذا الكتاب الماتع حوى رسائل مركّزة عدة أكد فيها الإمام الغزالي أن الغاية من العلم ليست مجرد التكديس المعرفي، بل تحويل المعرفة إلى سلوك منضبط وعمل بنّاء ومثمر، نظرًا لما يقرّره الإمام فيما يقدّمه للناس من أن العلم إذا لم يُثمر خشية لله تعالى وتقويمًا للنفس، فإنه يكون حجة على صاحبه لا له.

ومن هنا فإن هذه الجرعة العلمية المنهجية التربوية المتمثّلة في كتاب «أيها الولد» تؤسس عبر صفحاتها لمنهج تربوي يربط بين التحصيل والانضباط، ويجعل من تزكية النفس شرطًا لسلامة المسار العلمي، حيث تنبع هذه المنهجية المنضبطة من مشروع إصلاحي للإمام يقوم على إعادة التوازن بين الظاهر والباطن، وبين المعرفة والقيم، وهو ما يتجلّى بوضوح راسخ في هذا الكتاب، بوصفه نصًا إرشاديًا موجزًا يعكس هذا التكامل.

ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن من أبرز ما يدعوك لقراءة هذا الكتاب واتخاذه منهجية حياتية تقيم أسرتك وطلابك، هو تأكيده على المجاهدة والانضباط الذاتي، حيث يوجّه الكتاب الطالب والشاب إلى محاسبة النفس، وحراسة الوقت، وضبط النية، وعدم الاغترار بكثرة العلم أو الشهرة، وهو بُعد لو تعلمون عظيم، لما يمثّله من جوهر العملية التربوية المنضبطة؛ إذ ينتقل بالمتعلّم من الالتزام الخارجي المفروض إلى الرقابة الداخلية النابعة من الوعي والإيمان.

وقد يتساءل البعض بأن كتابًا قد ألّفه صاحبه في القرن الخامس الهجري، فأَنّى يكون صالحًا لزمان تعج أركانه بالضجيج الرقمي، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن مضامين هذا الكتاب حقًّا صالحة للاستثمار التربوي في يومنا هذا، خاصة في ظل ما يواجهه المجتمع من تحديات تتمثّل في الانفلات القيمي وتشتّت مصادر المعرفة، ولذا فإنني أقول لك: إذا كان من ذاق عرف، فإن من عرف اغترف.


مواضيع متعلقة