د. تامر محمد فتوح يكتب: «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لـ«البُسْتي»
د. تامر محمد فتوح يكتب: «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لـ«البُسْتي»
يبدو من جمال عنوان الكتاب جمال محتواه، فهو بحق روضة للعقلاء ونزهة للفضلاء، لا يخرج قارئه من روضته إلا مرتوياً؛ لما حواه من مخاطبة العقل والروح معاً، ولما اشتمل عليه من أخلاق وفضائل روحانية سامية، خاصةً أن كاتبه وهو الحافظ ابن حِبَّان البُسْتي (المتوفى: 354هـ)، كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ، عالماً بالطب والنجوم وفنون العلم، من تصانيفه: «صحيح ابن حِبَّان»، وكتاب «الثقات»، و«المجروحين»، و«مشاهير علماء الأمصار». كما يبدو كذلك من مقدمته أنه عايش واقعاً تغيَّرت فيه أخلاق الناس، وتبدَّلت القيم والمبادئ، وتشوَّهت الفِطَرُ كما هو الحال الآن، يذكر المؤلف ذلك فيقول: «إن الزمان قد تبين للعاقل تغيُّره، ولاح للبيب تبدُّلُه؛ حيث يبس ضرعه بعد الغزارة، وذبُل فرعُه بعد النضارة، ونحل عوده بعد الرطوبة، وبشع مَذاقُه بعد العذوبة، فنبع فيه أقوامٌ يدَّعون التمكُّن من العقل باستعمال ضد ما يُوجِب العقل من شهوات صدورهم، وترك ما يُوجِبه نفسُ العقل بهجسات قلوبهم، جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليهِ عند المعضلات: النفاق والمداهنة. وفروعَه عند ورود النائبات: حُسن اللباس والفصاحة. وزعموا أن من أحكم هذه الأشياء الأربعة: فهو العاقل الذي يجب الاقتداء به..».
فأراد الإمام ابن حبان رحمه الله أن يعيد بناء الفرد والمجتمع على وفق المعيار الأخلاقي، فجاء الكتاب مشتملاً على ما يحتاج إليه العقلاء من الأحوال، يقول في مقدمته: «أُبيِّن فيه ما يحسُن للعاقل استعمالُه من الخصال المحمودة، ويقبُح به إتيانُه من الخلال المذمومة».
يقع الكتاب في مجلد، تناول فيه ابن حبان خمسين باباً من شُعب الأخلاق أطلق عليها «شُعَب العقل»، بنى كل باب منها على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الأحاديث والآثار المروية، ثم بسط كلامه عقيب كل سُنة منها بما فتح الله عليه به.
وقد جعل المؤلف أول شُعَب العقل هو لزوم تقوى الله وإصلاح السرائر؛ لأن من صلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن فسد جوانيه أفسد الله برانيه.
ثم أبان عن جملة من المأمورات كلزوم الصدق، والحياء، والتواضع، والحِلم، والقناعة، والتوكل، والرضا، والعفو، والسخاء، وإفشاء السلام، والرفق، وإظهار البشر والتبسم، والحث على إقامة المروءات، فالمروءات كلها عنده تبعٌ للعقل.
كما ذكر عدداً من الرذائل التي ينبغي التخلي عنها كالكِبر، والمداهنة، والتلوُّن في الوداد، ومعاداة الناس، والتهاجر، والتجسس، وسوء الظن، والبخل، والتحاسد، والبغضاء، والغضب، والعجلة، والطمع إلى الناس...
أما عن منهجه الأخلاقي فهو منهج نقلى عقلى، فهو يوظِّف الآيات القرآنية والأحاديث وأقوال الحكماء والزهاد والأشعار في خدمة هدفه الأخلاقي، لكن ما يلفت النظر هنا هو صياغته لأفكاره صياغة عقلية، ومزج النظر العقلى التأملى بالحقائق الدينية، نحو تنبيهه على ضرورة لزوم العقل، فأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل، وأن كل شُعَب الأخلاق ومتعلقاتها من المأمورات والمنهيات هي فرع عن العقل، حتى جعلها «شعب العقل».
وبالجملة فهذا الكتاب يعطينا تصوراً شاملاً لمناحي القيم والفضائل الإنسانية، مع ميلٍ إلى النزعة العملية، فهو يحاول أن يرسم للناس الطريق إلى اكتساب الفضائل والتخلي عن الرذائل؛ حتى تكون سجية وطبيعة، وأن الأخلاق لديه أضحت صناعةً تستهدفُ إعادةَ بناءِ الإنسان.