أعلام التصوف من النساء (27) السيدة زينب.. أم العواجز الحكيمة المُمتحَنة صاحبة الشورى
أعلام التصوف من النساء (27) السيدة زينب.. أم العواجز الحكيمة المُمتحَنة صاحبة الشورى
أمام مسجد السيدة زينب، وفي حى من أشهر أحياء القاهرة يُسمى باسمها، راح عرفان يُردّد:
«يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله».
نظر إليه سرحان مُستفهماً، فوجده يقول في تأثّر شديد:
- في سنة 61هـ أمر يزيد بن معاوية، بعد قتل الحسين في كربلاء، بإخراج السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب، بعيداً عن يثرب، خوفاً من أن يتجمّع الناس حولها، بعد أن أظهرت ثباتاً شديداً في المحنة التى ألمت بآل البيت، وقد طلب منها أن تختار لها بلداً تأوى إليه، فرفضت في أول الأمر، وتساءلت: أأترك بلد أبي وجدى؟! فقال لها عبدالله بن عباس: «يا ابنة بنت رسول الله، اذهبى إلى مصر، فإن فيها قوماً يحبونكم لله، ولقرابتكم لرسول الله، وإن لم تجدي أرضاً تسكنيها هناك، فستجدين قلوب أهلها وطناً». فجاءت إلى مصر ومعها أبناء الإمام الحسين فاطمة وسكينة وعلىّ زين العابدين رضى الله عنهم.
قال سرحان:
- سمعت أن أهل مصر أحسنوا استقبالها.
- خرج الناس إليها حين علموا بقدومها، حتى التقوها عند بلبيس من أعمال محافظة الشرقية، واستقبلوها صادحين بالغناء على وقع الدفوف، وعلى رأسهم والى مصر الأموى مسلم بن مخلد الأنصاري، ووفّر لها إقامة في بيته، وكان ذلك في شعبان من سنة 61هـ.
قهقه سرحان، وقال:
- يطردها الأمويون من يثرب ويستضيفها واليهم بمصر في بيته!
- كانوا أهل سياسة، فالمهم لديهم هو أن تكون بعيداً عن الغاضبين في شبه جزيرة العرب مما جرى لآل البيت في كربلاء، وتبقى تحت أعينهم في مصر، وأن يُشاع بين أهلها أن واليهم قد أكرم وفادة السيدة زينب، فتتحسّن صورة بنى أمية التى نيل منها الكثير وقتها، فالوالى ومن عيّنوه يعرفون أنهم أمام بنت الإمام على بن أبى طالب، وأمّها السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهى أخت الحسن والحسين، حفيدى الرسول الكريم، ولذا فإن من يُكرمها سيحظى برضاء المسلمين.
- وهل حضرت السيدة زينب كربلاء؟
- رافقت الحسين في رحلته إلى الكوفة، بعد أن وعده أهل العراق بأنهم سينصرونه في وجه يزيد بن معاوية، وشهدت المعركة، ورأت بعينيها أهلها وهم يُستشهدون، شيوخاً وشباباً وأطفالاً. وحين خرّ الحسين شهيداً، راحت تقول على طرف ساحة القتال: «يا محمداه! يا محمداه! هذا الحسين في العراء، مزمَّلٌ بالدماء، مقطعُ الأعضاء. يا محمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك قتلى، تسفي عليها الرياح».
- هل وقعت في الأسر؟
- نعم، كانت ضمن السبايا.
- يا له من موقف عصيب.
- يقول مؤرخون إن الحسين ودّعها قبل المعركة، قائلاً لها: «يا أُختاه، لا تنسينى في نافلة الليل»، فظلت بقية حياتها كلما قامت ليلها، وطال تهجّدها، تتذكّر قوله، وتدعو له ولنفسها كى يُثبّتها الله على الحق. وقد وصفها الناس بـ«بطلة كربلاء»، وعبّرت هى عن هذا الموقف العصيب شعراً، إذ توجّهت إلى القوم، وأنشدت:
«ماذا تقُولون إن قال النبىُّ لكم.. ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأُمَمِ بِعِتْرَتـِى وبأهلى بعد فُرْقَتِكُـمْ.. منهم أُسَارَى ومنهم خُضِّبُوا بِدَمِ ما كَانَ هذا جزائى إذْ نَصَحْتُ لكم.. أن تخلفُونى بسوءٍ في ذَوِى رَحِمِى».
- أكانت تنشد الشعر؟
- هذا ما نُسب إليها.
صمت عرفان برهة، ثم قال:
- انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وزينب بنت الخامسة من عمرها، وبعد شهور قلائل توفيت أمها السيدة فاطمة، وأوصت زينب، رغم صغر سنها، بالحسن والحسين، فتكون لهما أماً حين تكبر، ولهذا كبرت في قلب المحنة، وزادها هذا صبراً وجلداً. ويُقال إنه كانت لها مكانة رفيعة في قلب الحسين وعقله، فإن دخلت عليه قام وأجلسها مكانه، وكان يُطلعها على ما يجرى، ويأتمنها على أسراره.
- ممن تزوّجت؟ سأل سرحان.
- تزوجها الصحابى عبدالله بن جعفر الطيار بن أبى طالب رضى الله عنهما، أحد أوائل الذين هاجروا إلى الحبشة من صحابة الرسول. ويُقال إن كبار الصحابة قد حضروا زواجهما، وكان في أواخر عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الذى وصف الزواج، قائلاً: «هذا نسب موصول ببيت النبوة». كان زوج السيدة زينب رجلاً خلوقاً كريماً، حتى وصفه الناس بـ«قطب السخاء»، إذ لم يكن يرد سائلاً، ولا يصد محتاجاً، ولا يكسر خاطر محروم من فقراء يثرب، وكانت السيدة زينب تُحب هذا فيه، وتشجّعه عليه.
- هل أنجبا؟
- نعم، أنجبا أربعة أولاد هم على وعون الأكبر وعباس ومحمد، وبنتاً اسمها أم كلثوم.
ملأ سرحان عينيه من المسجد، وقال:
- هذا المبنى الهائل الذى لا يضاهيه في القاهرة كلها من مكانة سوى مسجد الحسين، هو إحدى علامات تمجيد أهل مصر وتبجيلهم للسيدة زينب.
- نعم، لقبها المصريون بألقاب لا تُنسى، منها «أم هاشم» و«عقيلة بنى هاشم» و«أم العواجز» و«صاحبة الشورى»، وهى عند متصوفة مصر «رئيسة الديوان».
هز سرحان رأسه، وقال:
- أعرف كل ألقابها هذه، لكن جديد علىَّ تعبير «رئيسة الديوان»، فأى ديوان هو؟
ابتسم عرفان وقال:
- يعتقد المتصوفة أن أرواح أقطاب التصوف الكبار تلتقى في العالم الآخر للنظر في شئون كثيرة، وترأس اجتماعهم هذا السيدة زينب. وحين ينكر أهل الشريعة عليهم هذا يقولون لهم: نحن نخاطب القلوب وليس العقول.
صمت عرفان قليلاً، ثم عاد:
- كانت رضى الله عنها امرأة عاقلة ذكية، شجاعة وبليغة، صوامة قوامة، فقصدها كثيرون لمشورتها.
- وماذا كانت تفعل مع أهل مصر؟
- لم تعِش بعد مجيئها سوى شهور قليلة، إذ توفيت في شهر رجب من سنة 62هـ، وخلال وجودها في مصر كانت تُعلّم قاصديها شئون دينهم، فقد كانت على علم وورع، ويُقال إن الرسول الكريم قد قال إنها ستكون من خيرة نساء أمته، ثم جاء زين العابدين بن الحسين، رضى الله عنهما، ليقول لها: «أنتِ بحمد الله عالمة غير معلّمة، وفهمة غير مفهّمة». ووصفها مؤرخون كُثر بأنها كانت أعلم نساء أهل بيت النبوة، وأفصحهن لساناً. ويوجد من قال إن علم السيدة زينب لم يقتصر على ما تعلمته في بيت النبوة، ومن كبار الصحابة، ثم علماء زمانها، لكنّها موهوبة منفوحة، صاحبة إلهام وحدس وبصيرة، وهو علم ربانى لا يؤتاه إلا المصطفون.
دخل الصاحبان إلى المسجد، وبلغا ضريح السيدة زينب، وبعد انتهائهما من قراءتهما، ملأ عرفان عينيه من الضريح، وقال:
- يُقال إن هذا الضريح هو مكان الحجرة التى كانت تنام فيها السيدة زينب في بيت الوالى، وهذا المسجد كله هو مكان البيت.
صمت سرحان برهة، وقال:
- سمعت أحدهم يُشكك ذات يوم أن المدفونة هنا هى السيدة زينب بنت الإمام على بن أبى طالب.
هز عرفان رأسه، وقال:
- بعض المؤرخين والنسَّابة يقولون إن المدفونة هنا هى السيدة زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، وهناك من يقول إنها زينب بنت يحيى بن زيد بن على بن الحسين، ويوجد من يقول إنها زينب بنت أحمد بن محمد بن عبدالله بن جعفر بن محمد بن الحنفية، وهناك من ذكر أسماء أخرى، لكن ما يهمنى هو أن أهل مصر الآن يتعاملون مع صاحبة الضريح على أنها السيدة زينب بنت على، حفيدة الرسول الكريم، ويوجد من يساندهم في رأيهم هذا، على أساس أن هناك من المؤرخين من يُؤكد أنها قد جاءت إلى مصر بالفعل. أما الذين يعملون على تجديد المسجد على مدار القرون الفائتة وإلى الآن، فهم يفعلون هذا موقنين بأنها حفيدة رسول الله.
وحين خرجا من المسجد راح عرفان يغنى:
«يا سيدة يا سيدة
يا أم الشموع القايدة
يا أخت الحسن ويا الحسين
يا بنت أشرف والدة».
نظر إليه سرحان، وقبل أن يسأل، قال عرفان:
- هذا يغنيه لها أهل مصر، وهم يأتون إلى مسجدها من كل مكان، ويغنونه كذلك في أفراحهم.