محمود مرزوق يكتب: محمد بك رمزي صاحب القاموس!
محمود مرزوق يكتب: محمد بك رمزي صاحب القاموس!
ثمة نوعٌ من العلماء والباحثين لا تصنعهم الجامعات والمراكز البحثية؛ يظهرون بعيداً عن الأضواء، ويتركون إرثاً تتجاوز قيمته ما قد ينتجه عشرات الباحثين، محمد بك رمزي المولود عام 1866 والمتوفى عام 1945 واحداً من هؤلاء.
عندما تقرأ سيرته المهنية، لا تجد الكثير من التفاصيل اللافتة؛ موظفٌ في مصلحة المساحة، عمل في دولاب العمل الحكومي لسنوات طويلة، ثم رحل.
لكن خلف هذه السيرة الرتيبة في ظاهرها نجاح مبهر في إنجاز مشروع علمي من أضخم ما أنجزه فردٌ واحد في تاريخ مصر الحديث.
كان رمزي بك يرى بعين الجغرافي ما لا يراه غيره؛ فقد سمح له عمله بالتجوال والتنقل بين مدن وقرى ونجوع مصر، بحريّها وقبليّها، وحدودها وصحاريها وسواحلها، وقاهرتها العامرة.
كما طالع العديد من الوثائق المملوكية والعثمانية وسجلات الضرائب، وتتبّع أسماء القرى والمدن، ومن منطلق فهمه العميق لمفهوم لا مركزية التاريخ، وأن تاريخ مصر ليس تاريخها السياسي فحسب، وليس تاريخ العاصمة فقط، قرر باحثنا الأريب أن يروى ويتتبع بدقة التطور الجغرافي والعمراني للبلدان المصرية، ما استُحدث منها وما تقادمت عليه السنون ما بقى منها عامراً وما اندثر.
وعلى مر سنوات من البحث والدراسة، وُلد هذا السفر الجليل الذي صار يُعرف بـ«القاموس الجغرافي للبلاد المصرية».
ما أنجزه «رمزي» في هذا القاموس يصعب حصره في بابٍ واحد من أبواب العلوم الإنسانية؛ فهو ليس كتاب جغرافيا فحسب، ولا معجماً لغوياً، ولا سجلاً تاريخياً، بل هو الثلاثة معاً في آنٍ واحد.
تتبّع فيه أسماء البلدان المصرية عبر أزمان متعاقبة، من التسمية المصرية القديمة إلى القبطية فالعربية، وربط بين الاسم وموقعه وتاريخه وما مرّ به من تحولات، كأنه أراد أن يقول: هذه الأرض لها روح، ولهذه الروح اسم، ولهذا الاسم قصة تستحق أن تُروى.
ولم يقف «رمزي» عند حدود التأليف؛ فقد أدرك أن فهم جغرافيا مصر لا يكتمل دون العودة إلى من كتبوا عنها قبله، فانصرف إلى تحقيق التراث الجغرافي القديم بمنهجية لم تكن مألوفة في عصره، فحقّق كتاب «تقويم البلدان» لأبو الفداء، ذلك الأمير الأيوبي الذي جمع في كتابه خلاصة الجغرافيا العربية بأسلوب علمي دقيق.
وفي تحقيقه لهذه النصوص، لم يكتفِ بضبط الكلمات وتصويب الأخطاء، بل كان يحاور النص ويناقشه ويضعه في سياقه، مُدركاً أن التحقيق الحق ليس نَسخاً، بل قراءة جديدة للتراث.
هذا الجانب من شخصية «رمزي» يكشف عن وعيٍ نادر بطبيعة العمل العلمي؛ فقد كان يؤمن بأن المعرفة لا تُبنى من فراغ، وأن الجغرافيا التاريخية علمٌ تراكمى يحتاج إلى إعادة قراءة كل ما كُتب من قبل، لا مجرد إضافة معلومات جديدة إلى المعلومات القديمة.
والأكثر إثارة للدهشة أن «رمزي بك» أنجز مشروعه العلمي الضخم على هامش حياته الوظيفية، في أوقات الفراغ، دون فريق بحثي ولا تمويل مؤسسي؛ فقط شغفه ودأبه وأوراقه ووثائقه.
وقد نتج عن هذا الجهد الكبير خمسةُ مجلداتٍ ضخمة: الجزء الأول خاص بالمدن والقرى القديمة (حتى الفتح العربي)، والجزء الثاني يتناول القرى والمدن في العصر الإسلامي، والجزء الثالث يركّز على التقسيمات الإدارية
وتطورها، والجزء الرابع مخصص لمديريات الوجه البحري، والجزء الخامس مخصص لمديريات الوجه القبلي.
ولا يزال هذا القاموس مرجعاً للباحثين في الجغرافيا والتاريخ والآثار.
ويستحق محمد بك رمزي أن يعود جهده العلمي وإنتاجه الرصين إلى دائرة الضوء، وأن يُقدَّم للأجيال الجديدة من خلال طبعاتٍ منقحةٍ ومزيدةٍ لأعماله، وعلى رأسها القاموس الجغرافي، فضلاً عمّا ألّفه وحقّقه من كتبٍ أخرى.