د. أشرف عكة يكتب: مستقبل «حماس» بين التحولات الإقليمية والمنطلقات الأيديولوجية

كتب: محرر

د. أشرف عكة يكتب: مستقبل «حماس» بين التحولات الإقليمية والمنطلقات الأيديولوجية

د. أشرف عكة يكتب: مستقبل «حماس» بين التحولات الإقليمية والمنطلقات الأيديولوجية

بعد الحرب الأخيرة على غزة، ومذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية، دخل الشرق الأوسط مرحلة معقّدة من إعادة التشكيل الاستراتيجي، مع انتقال المنطقة من حالة الصدام المفتوح إلى إدارة التوازنات والنفوذ، وتبدّل أولويات القوى الإقليمية، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين من غير الدول، وفي مقدّمتهم حركة حماس. وأمام هذا المشهد، تجد الحركة نفسها أمام واقع إقليمي وبيئة سياسية مختلفين عن تلك المرحلة التي نشأت فيها من رحم جماعة الإخوان المسلمين.

وفي ظل هذا الواقع الإقليمي، ومع صعود منطق الدولة الوطنية، وتصاعد الاعتبارات الأمنية، وتراجع مشاريع الإسلام السياسي التقليدي، تجد حركة حماس نفسها أمام إعادة تعريف لموقفها السياسي، ووظيفتها، وأدوارها الإقليمية. ومن هنا، لم يعد السؤال يدور حول علاقة حركة حماس بالإخوان، بقدر ما أصبح يتعلق بمستقبل الحركة نفسها: هل تستمر كتنظيم عقائدي يتحرك ضمن مشروع أيديولوجي عابر للحدود؟ أم تتحول إلى فاعل سياسي فلسطيني تحكمه الجغرافيا السياسية، والتوازنات والتفاهمات الإقليمية، ومتطلبات البقاء السياسي، ويتعامل مع الوقائع الجديدة في المنطقة؟

تغيّر الخطاب والبيئة الإقليمية


تغيّرت المنطقة بعد الربيع العربي، مع تراجع مشاريع الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، خصوصاً بعد سقوط حكم الإخوان في مصر، وتنامي القلق الإقليمي من التنظيمات العابرة للحدود، وهو ما دفع الكثير من الدول العربية إلى إعادة بناء سياساتها على أساس الاستقرار والأمن الداخلي.

وجاءت الحرب الأخيرة على غزة، والحديث عن تفاهمات أمريكية - إيرانية، ليُحدثا تحولات كبرى، ليس على مستوى القضية الفلسطينية فحسب، بل على مستوى إعادة تعريف أدوار القوى من غير الدول في المنطقة. وفي مقدمة ذلك يبرز تموضع حركة حماس، ومستقبلها الذي أصبح مرهوناً بخطابها وتحالفاتها، لتجد نفسها مُجدّداً أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على هويتها الفكرية والإسلامية، من دون أن تتحول إلى امتداد لأزمة الإخوان في المنطقة، وبين متطلبات التوازنات الإقليمية بعد الحرب وشروط البقاء السياسي.

وقد حاولت حركة حماس، خلال السنوات الماضية، تقديم خطاب سياسي أكثر براجماتية وواقعية، وأقل أيديولوجية، سعياً إلى تقديم نفسها بوصفها حركة مقاومة فلسطينية ذات بعد وطني، لا جزءاً من مشروع الإخوان. وقد تجلى ذلك في الوثيقة السياسية للحركة عام 2017، التي حملت لغة أكثر مرونة من خطابها التقليدي، في محاولة للتكيّف مع التحولات الإقليمية.

إلا أن المرحلة التي أعقبت ذلك، ومع تصارع الأجنحة داخل الحركة بين الجناح العسكري والسياسي، وبين الداخل والخارج، وضعت الحركة في قلب التجاذبات والمشاريع الإقليمية، وتحديداً ضمن إطار محور المقاومة. وبهذا انتقلت الحركة من مشروع الإخوان إلى المحور الإيراني.

ومع تصاعد الأحداث الميدانية التي أعقبت السابع من أكتوبر، والحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تطورات سياسية، وجدت الحركة نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، أعاد إنتاج أزمتها وخطابها الأيديولوجي، نتيجة ارتباطها بمشاريع عابرة للحدود، بعد أن كشفت الحرب على غزة أنها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحماس، بل تحولت إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية والعربية والإسرائيلية.

ولهذا، تبقى معادلة إعادة تموضع حماس مسألة بالغة التعقيد، خصوصاً في ظل حساسية التوازنات الإقليمية، وشبكة العلاقات الدقيقة التي تحاول إدارتها، داخل بيئة عربية تتوجّس من النفوذ الإيراني والتنظيمات والمحاور الإقليمية الأخرى، لا سيما المحور التركي - القطري. فالمنطقة اليوم تتحرّك بمنطق إدارة التوازنات والتفاهمات ومنع الانفجار الإقليمي، مع وجود مؤشرات على تفاهمات أمريكية - إيرانية تهدف إلى ضبط الصراع. وعليه، يبقى السؤال: هل سيكون بمقدور حماس التعامل مع الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في المنطقة؟

بين الفاعل السياسي والتنظيم العقائدي


بعد موافقة حماس على خطة الرئيس ترامب ذات البنود العشرين، التي أعلنها البيت الأبيض في سبتمبر 2025 لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من السلاح والتطرّف، وإعادة الإعمار، وتشكيل إدارة تكنوقراط بضمانات دولية، أصبحت الحركة تتّجه تدريجياً من صورة التنظيم العقائدي إلى صورة الفاعل السياسي.

وباتت مضطرة للتعامل مع ملفات التهدئة، وإعادة الإعمار، والإدارة الجديدة، في ظل ترتيبات أمنية وسياسية وطنية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، تُعيد تعريف دورها في اليوم التالي للحرب على غزة.

وإذا كانت حماس لا تزال تمثل طرفاً مهماً في ضبط الوضع الميداني، وإدارة العلاقة مع الفصائل الأخرى في القطاع خلال المرحلة الانتقالية، فإن شروط بقائها السياسي تتطلب التخلى عن خطابها الأيديولوجي التقليدي، وارتباطاتها السياسية الإقليمية، وهو ما أعلنت عنه في أكثر من مناسبة.

لكن تحول حماس إلى فاعل سياسي لا يعني بالضرورة تخليها عن هويتها الفكرية، إذ أصبحت البراجماتية السياسية جزءاً أساسياً من إدارتها لعلاقاتها الوطنية والإقليمية في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، وهي عملية تكيّف مؤقتة تفرضها الظروف والوقائع.

وهذا يعني أن حماس معنية بالحفاظ على موقعها كفاعل سياسي فلسطيني، بدلاً من الظهور بوصفها امتداداً لمشروع إقليمي أيديولوجي أوسع، قد يضعها في مواجهة مع محيطها العربي أو جوارها الجغرافي الأقرب، في ظل اتجاه إقليمي يمنح الأولوية للاستقرار والدولة الوطنية، بعيداً عن المحاور الإقليمية والقوى المرتبطة بها.

ومن ثم، فإن تخلى حماس عن خطابها الأيديولوجي التقليدي المرتبط بمشروع الإخوان، أو غيره من المشاريع العابرة للحدود، يرتبط بدرجة كبيرة بشروط البقاء السياسي، ويُعد من أبرز النتائج المباشرة للحرب على غزة وما تبعها من تطورات إقليمية، ولا سيما في ظل المحاولات الإسرائيلية لفرض ترتيبات أمنية وسياسية وإقليمية جديدة على القطاع، إذ تدرك الحركة أن استمرارها يتطلب قدرة أكبر على التكيّف مع الظروف الراهنة، والضغوط والرقابة الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ووقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية.

وفي ظل هذا الواقع الصعب، تبدو حماس أمام عملية انتقال تدريجية من حركة ارتبطت بمشروع الإخوان وغيره، إلى فاعل سياسي يتعامل مع الوقائع الإقليمية بمرونة وبراجماتية.

*محلل سياسي
وخبير في العلاقات الدولية - فلسطين


مواضيع متعلقة