عثمان ميرغني يكتب: الحركة الإسلامية في السودان.. الحل في الحل
عثمان ميرغني يكتب: الحركة الإسلامية في السودان.. الحل في الحل
تناسلت التنظيمات الإسلامية في السودان من رحم حركة الإخوان المسلمين في مصر، ودخلت مبكراً، منذ استقلال السودان عام 1956، إلى ساحة العمل السياسي، وحاولت التأثير في لجان إعداد الدستور لتبني ما أطلقت عليه «الدستور الإسلامي».
وتحت وطأة الصراعات السياسية المستمرة في المشهد السوداني، انقسمت حركة الإخوان المسلمين إلى جناحين يتبادلان العداء علناً عبر وسائل الإعلام. حافظت المجموعة الأولى على الاسم ذاته، «جماعة الإخوان المسلمين»، وعلى وجودها ضمن إطار التنظيم العالمي للإخوان. أما المجموعة الثانية فاختارت تبديل لافتاتها وفقاً للعهود السياسية. ففي البداية استخدمت اسم «الاتجاه الإسلامي»، ثم، بعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بحكم الرئيس جعفر نميري، اتخذت اسم «الجبهة الإسلامية القومية». وقد نجحت هذه الأخيرة في السيطرة على الحكم عبر انقلاب عسكري قاده عمر البشير في 30 يونيو 1989.
إلا أن «الجبهة الإسلامية القومية» سرعان ما تخلّت عن لافتتها وحلّت نفسها، لتُفسح المجال أمام حزب سياسي جديد حمل اسم «حزب المؤتمر الوطني»، واستولدت «الحركة الإسلامية السودانية» تنظيماً عقائدياً يهيمن على الحزب ويقود الدولة من خلف الكواليس. ولم يكن للحركة الإسلامية مشروع سياسي واضح، سوى العنوان الفضفاض الذي أطلقت عليه «المشروع الحضاري»، من دون تحديد أو توصيف دقيق. ولذلك اندفعت تجربتها في الحكم، منذ يومها الأول، نحو الصراع الدموي على السلطة.
خطأ ممارسة أم خطيئة فكر؟
حظيت الحركة الإسلامية بفترة حكم طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، قبل أن تطيح بها ثورة جماهيرية. ورغم حجم الأخطاء التي صاحبت تجربتها، والجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، والخسائر الفادحة التي مُني بها السودان، فإن المدافعين عنها يحتجون بأن الإنجازات كانت أكبر من الإخفاقات، وأي تجربة إنسانية تحمل في طياتها جوانب نجاح وإخفاق. لكن، يحاول هذا التبرير التنصل من مسؤولية تاريخية لم يعد ممكناً محوها من سجلات الماضي، ولا من واقع الحاضر، لأن آثارها لا تزال ممتدة حتى اليوم. وتتمثل الفكرة الأساسية التي بُنيت عليها أيديولوجية الحركة الإسلامية، في الخطيئة التي أورثت تجربتها كل هذه الأخطاء.
ودون إفراط في التفاصيل، فإن اعوجاج فكر الحركة الإسلامية يبدأ من فرضية أنها الممثل الحصري للإسلام، وحاملة لوائه، وأن الدين لا يقوم إلا بها. ويُجسّد هذه الفكرة هتافها الشهير: «فليقم للدين مجده، أو فلتُرق كل الدماء»، إذ ربطت بين «قيام مجد الدين» ووجود الحركة الإسلامية، وكأن غيابها يعني بالضرورة إراقة الدماء. ومثل هذا الفكر الأحادي، الذي يفترض امتلاك الحقيقة المطلقة، كرّس نظرية إقصاء الآخر، إلا إذا كان هذا الآخر مجرد صدى يقبل الإملاء والتبعية.
استتباع لا شراكة في الوطن
على امتداد ثلاثين عاماً من الحكم (1989 - 2019)، لم تعرف مؤسسات الحكم في السودان تعدّدية سياسية حقيقية تعكس التنوع المعروف في المجتمع السوداني. بل كان النهج السائد يقوم على استتباع بعض الواجهات أو الشخصيات السياسية التي تقبل بالدوران في فلك السلطة، ضمن حدود مرسومة بعناية. وعُقدت عدة انتخابات خلال عمر النظام، لكنها جميعاً أفضت إلى فوز مرشحي الحزب الحاكم أو المتحالفين معه. وحتى في المرحلة التي مثلت فرصة حقيقية للخروج من هذا النفق، وهي انتخابات عام 2010، التي جاءت بعد توقيع اتفاق السلام الشامل بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، جاءت النتائج لتؤكد مُجدداً عدم استعداد حزب المؤتمر الوطني، ومن خلفه الحركة الإسلامية، لقبول أي تعددية حقيقية في الرأي، فضلاً عن تقاسم السلطة.
جرس الإنذار
وأمام استحكام الانفراد بالسلطة، وتزايد الأخطاء والانتهاكات والفساد، لم يعد الشعب السوداني قادراً على تحمل المزيد. فخرجت مظاهرات جماهيرية إلى الشوارع في سبتمبر 2013، واجهها النظام بعنف شديد، أسفر عن مقتل نحو 200 متظاهر خلال يومين فقط. ورغم نجاح النظام آنذاك في تجاوز خطر السقوط، فإنه أدرك حجم التهديد الذي يواجهه، فحاول معالجته بالمزيد من السياسات ذاتها، عبر إطلاق ما سُمّي بـ«مؤتمر الحوار الوطني الشامل»، الذي استمر قرابة ثلاث سنوات، وانتهى إلى توصيات عامة وتقاسم محدود لبعض المناصب الدستورية، شمل مساعدين لرئيس الجمهورية ووزراء في حقائب هامشية، إلى جانب عدد من المقاعد البرلمانية بالتعيين. وتأكد، داخلياً وخارجياً، أن النظام لم يكن قادراً، ولا راغباً، في إجراء إصلاح حقيقي، فكانت ثورة ديسمبر 2018، التي نجحت في الإطاحة بنظام البشير في أبريل 2019.
الخلل بنيوي
كما أسلفت، فإن جوهر الفكرة والأيديولوجيا التي قامت عليها الحركة الإسلامية لا يؤهلها لحكم البلاد، حتى لو تدثّرت بواجهات سياسية متعدّدة. فالمبدأ الأساسي الذي تقوم عليه يمنح الفكرة حصانة ضد المراجعة والتطوير، ويمنح القيادة حقاً شبه مطلق في ارتكاب الأخطاء والخطايا.
ولو كانت الحركة الإسلامية مجرد جماعة دينية، على غرار «الطريقة الختمية»، التي تستند إليها قواعد الحزب الاتحادي الديمقراطي، أو «كيان الأنصار» الذي يُمثل الحاضنة التاريخية لحزب الأمة القومي، لأمكن التغاضى عن تأثيرها، باعتباره محصوراً في أتباعها. أما وقد أصبحت تدير، بل تتحكم، في حزب المؤتمر الوطني، وتفرض هيمنتها على الدولة من وراء ستار، وفي مختلف مفاصلها، فإن ذلك يُفسر أسباب الاهتمام بها، والسعي إلى الحد من تأثيرها في مستقبل الدولة السودانية.
وتحتم الخلاصة النهائية، في تقديري، الإقرار بأن أفضل وسيلة لإصلاح الحركة الإسلامية هي أن تتخذ بنفسها قرار حلها، انطلاقاً من مبدأ «بيدي لا بيد عمرو». لكن «عمرو»، حتى الآن، لا يبدو قادراً، ولا راغباً، في اتخاذ هذا القرار.
كاتب صحفي
ورئيس تحرير صحيفة التيار - السودان