سامح فايز يكتب: عمرو دراج.. خيانة الوطن من بوابة العلاقات الخارجية

كتب: editor

سامح فايز يكتب: عمرو دراج.. خيانة الوطن من بوابة العلاقات الخارجية

سامح فايز يكتب: عمرو دراج.. خيانة الوطن من بوابة العلاقات الخارجية

انتقل عمرو دراج، خلال سنوات قليلة، من أستاذ جامعى لم يعرفه الرأى العام إلا فى الأوساط الأكاديمية، إلى واحد من أكثر الوجوه التى اعتمدت عليها جماعة الإخوان فى مخاطبة العواصم الغربية بعد سقوط حكمها فى مصر. وبين البدايتين، لم تكن الرحلة مجرد انتقال من الجامعة إلى الوزارة، ولا من العمل المهنى إلى التنظيم السياسى، وإنما قصة تحوُّل فكرى بدأت داخل بيت مصرى حمل إرث الوفدية والناصرية، وانتهت إلى واحد من أكثر الملفات حساسية داخل الجماعة؛ ملف العلاقات الخارجية، الذى أصبح، بعد عام 2013، إحدى أهم ساحات المواجهة بين الدولة المصرية والتنظيم فى الخارج. ومن هنا، فإن قراءة سيرة عمرو دراج لا تتعلق بشخص شغل منصباً وزارياً ثم غادر البلاد، بقدر ما تكشف كيف نجح الإسلام الحركى فى إعادة تشكيل قطاع من أبناء الطبقة الوسطى، وتحويلهم إلى نخبة سياسية وإعلامية قادت معركة التنظيم خارج الحدود.


يظهر ذلك بقوة فى مسئولية عمرو دراج عن ملف العلاقات الخارجية داخل «الإخوان» فى الفترة ما بعد بيان 3 يوليو، وظهور «دراج» كحلقة بارزة بين الجهات الغربية والإخوان والحكومة المصرية، ويحكى «دراج» عن تلك الفترة وكيف جمعته صداقة شخصية بمسئولى الاتحاد الأوروبى، أو بعض أعضاء الكونجرس الأمريكى باعتباره نائب رئيس القسم السياسى فى جماعة الإخوان منذ العام 2005!


وُلد «دراج» بعيداً عن البيئة التنظيمية التى ارتبطت بجماعة الإخوان الإرهابية. ففى الشهادات التى أدلى بها عن سنواته الأولى، يتحدث عن أسرة تنتمى إلى الطبقة الوسطى، تشبعت بالسياسة الوطنية أكثر مما تشبعت بأدبيات الإسلام السياسى. كان الإرث الوفدى حاضراً فى البيت، قبل أن تنحاز الأسرة، مثل ملايين المصريين، إلى المشروع الناصرى بعد ثورة يوليو. لم تكن أسماء حسن البنا أو سيد قطب محور الأحاديث اليومية، بل كانت الدولة الوطنية، والاستقلال، والعدالة الاجتماعية، هى اللغة التى تشكل بها وعيه الأول.
ولم يقع هذا التحول دفعة واحدة، بل جاء تدريجياً. فمع سنوات الدراسة الجامعية، ثم السفر إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراساته العليا، أخذت المرجعية الفكرية للرجل تتبدل. ولعل المفارقة أن سنوات الاغتراب، التى كان يُفترض أن تزيد ارتباطه بالنموذج الغربى، أصبحت هى المرحلة التى ترسخت خلالها قناعته بأدبيات جماعة الإخوان الإرهابية.

وهكذا، عندما عاد عمرو دراج إلى مصر، لم يعد مجرد أستاذ جامعى متخصص فى هندسة المواد، بل عاد وهو يحمل تصوراً مختلفاً لدور الدين فى المجال العام، ولطبيعة الدولة، وللعلاقة بين السياسة والدعوة. ومن هذه النقطة تحديداً، بدأت المرحلة الثانية من حياته؛ مرحلة الصعود داخل جماعة الإخوان، التى ستقوده، بعد سنوات قليلة، إلى قلب المشهد السياسى، ثم إلى واجهة معركة التنظيم فى الخارج.


وخلال العقدين السابقين لثورة يناير، ظل اسم عمرو دراج بعيداً عن الصف الأول فى المشهد العام، لكنه كان يراكم حضوره داخل البنية التنظيمية والسياسية للجماعة. ومع كل محطة انتخابية، سواء فى النقابات المهنية أو فى الحياة الحزبية التى بدأت تتشكل قبل عام 2011، اتسعت دائرة أدواره، إلى أن جاءت الثورة لتفتح أمام الإخوان باباً لم يكن متاحاً من قبل؛ الانتقال من المعارضة إلى إدارة الدولة.


وعندما دفعت الجماعة بمرشحها إلى السلطة، لم يكن اختيار عمرو دراج لتولى وزارة التخطيط والتعاون الدولى مجرد اختيار فنى فرضته خبرته الأكاديمية، بل كان يعكس أيضاً ثقة التنظيم فى شخصية تمتلك، من وجهة نظره، القدرة على الجمع بين الايمان بالجماعة والانضباط التنظيمى. وقد بدا ذلك واضحاً فى طبيعة ظهوره خلال أشهر وجوده فى الحكومة؛ إذ حرص على تقديم نفسه باعتباره وزيراً تكنوقراطياً مسئولاً عن ملفات الاقتصاد والاستثمار، بينما كانت عضويته فى الجماعة تمنحه فى الوقت نفسه موقعاً داخل شبكة صنع القرار السياسى التى أدارت تجربة حكم الإخوان.

من الوزارة إلى الخارج... انتقال المعركة


لم يطل بقاء عمرو دراج داخل الحكومة. فبعد أقل من شهرين على توليه وزارة التخطيط والتعاون الدولى، انتهت تجربة حكم جماعة الإخوان الإرهابية بعزل محمد مرسى فى الثالث من يوليو 2013، لتدخل الجماعة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ تأسيسها. وبينما اختار بعض قياداتها الاختفاء أو الابتعاد عن المشهد، اتجه آخرون إلى الخارج، حيث بدأت ملامح استراتيجية جديدة تتشكل، قوامها نقل المعركة من الشارع المصرى إلى المنصات الدولية، ومن الحشد الجماهيرى إلى الضغط السياسى والإعلامى والحقوقى، من خلال تزييف الواقع المصرى وتصدير صورة مضللة عن الداخل المصرى فى المحافل الدولية.


فى تلك اللحظة، بدا عمرو دراج أحد أكثر الأسماء ملاءمة لهذا الدور. فالرجل الذى يمتلك خلفية أكاديمية، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة، وسبق له العمل والدراسة فى الولايات المتحدة، لم يكن بحاجة إلى إعادة تقديم نفسه أمام مراكز الأبحاث أو وسائل الإعلام الغربية. كانت صورته مختلفة عن الصورة التقليدية لقيادات الجماعة؛ فهو لا يرتدى عباءة الواعظ، ولا يستخدم خطاباً تعبوياً، وإنما يقدم نفسه باعتباره أكاديمياً وسياسياً سابقاً يتحدث بلغة المؤسسات والديمقراطية والإصلاح، وفى نفس الوقت يملك ثقافة فنية ويتحدث كثيراً عن الغناء والموسيقى وعشقه لأم كلثوم، وهو خطاب وجد قبولاً نسبياً لدى عدد من الدوائر الغربية التى كانت تحاول فهم ما جرى فى مصر بعد عام 2013.


امتد نشاط عمرو دراج إلى العمل البحثى والمؤسسى. فقد ارتبط اسمه بـ«المعهد المصرى للدراسات»، الذى قدّم نفسه بوصفه مركزاً بحثياً مستقلاً، بينما تحوّل مع مرور الوقت إلى واحدة من أبرز المنصات التى استضافت كتابات وتقارير وندوات تناولت الشأن المصرى من زاوية متقاربة مع خطاب الجماعة فى المنفى. ومن خلال هذا الإطار، لم يعد دراج متحدثاً سياسياً فحسب، بل أصبح أيضاً جزءاً من شبكة إنتاج خطاب يسعى إلى التأثير فى دوائر المعرفة وصناعة الرأى العام خارج مصر.


تأسس المركز فى أغسطس 2014، وبدأ العمل فعلياً بشكل دورى نهايات عام 2016، فى اللحظة التى أعلن فيها دراج اعتزاله العمل السياسى وتفرغه للعمل البحثى. اللافت أن أبرز من كتبوا فى المعهد المصرى هم شخصيات محسوبة على جبهة تيار التغيير فى الجماعة، التيار المسئول عن حركة «حسم»، الجناح العسكرى للجماعة؛ فمن تلك الأسماء محمد إلهامى عضو الجبهة السلفية وأحد أبرز الأسماء فى الجماعات الدينية المعاصرة التى تعيد تقديم أفكار سيد قطب، مُنظر الإرهاب، فى أشكال مختلفة، بين المقالات والبودكاست والكتب الدينية!


وهنا تبرز سمة لافتة فى مسيرته؛ فالرجل الذى بدأ حياته باحثاً فى العلوم الهندسية، وجد نفسه، بعد سنوات، منخرطاً بالكامل فى إنتاج خطاب سياسى وإعلامى متطرف، يتناول مستقبل الإسلام السياسى. وهو تحوُّل يعكس، فى جانب منه، طبيعة المرحلة التى مرت بها جماعة الإخوان بعد عام 2013، حين أصبحت معركة السرديات لا تقل أهمية، بالنسبة إليها، عن معارك التنظيم والسياسة.


إعلان «دراج» اعتزال العمل السياسى لم يُنهِ الجدل حول طبيعة أدواره اللاحقة، إذ ظل اسمه يتردد فى مناسبات بحثية وإعلامية مختلفة، واستمرت كتاباته ومداخلاته فى تناول الشأن المصرى، وإن بوتيرة أقل مما كانت عليه فى السنوات الأولى التى أعقبت خروجه من البلاد. وظهر بوضوح وجوده الحركى وسط جبهات متطرفة، أبرزها جبهة تيار التغيير المعروفة إعلامياً باسم «الكماليون»، وحالياً حركة «ميدان» المسئول عنها يحيى موسوى الموضوع على قوائم الإرهاب!

نهاية رجل... أم بداية نموذج؟


يصعب اختزال تجربة عمرو دراج فى الأشهر القليلة التى قضاها وزيراً داخل حكومة هشام قنديل، كما يصعب تفسيرها من خلال سنوات المنفى وحدها. فالرجل، فى جوهر تجربته، يمثل نموذجاً لجيل كامل من كوادر جماعة الإخوان الإرهابية الذين لم يصعدوا عبر المنابر الدعوية أو ساحات الخطابة، وإنما عبر الجامعات والنقابات والمهن التخصصية. جيل امتلك أدوات التعليم الحديث، وأجاد مخاطبة المؤسسات الدولية، وحاول أن يقدم الإسلام السياسى فى صورة أكثر قرباً من اللغة التى يفهمها الغرب، دون أن يعنى ذلك بالضرورة تخليه عن المرجعية الفكرية المتطرفة التى انطلق منها؛ إنما محاولة للتشرنق والكمون تجنباً للصدام مع السرديات الغربية المبنية على الإعلاء من قيمة الحريات، وهى مسألة تتعارض مع الخطاب الدينى المتطرف!


وعلى امتداد هذه الرحلة، تغيرت المواقع، وتبدلت العواصم، واختلفت أدوات الخطاب، لكن الثابت كان السعى إلى بناء رواية سياسية موازية للأحداث التى شهدتها مصر منذ صيف 2013. فبينما كانت الدولة المصرية تقدم روايتها فى المحافل الدولية مستندة إلى مؤسساتها الرسمية وتحركاتها الدبلوماسية، كانت الجماعة تدفع بعدد من كوادرها إلى الساحة نفسها، فى محاولة لكسب معركة السرديات، التى أصبحت، فى عالم السياسة المعاصر، امتداداً لمعركة النفوذ على الأرض.


ومن هذه الزاوية، تبدو سيرة عمرو دراج أكثر من مجرد سيرة مسئول سابق أو قيادى فى جماعة الإخوان؛ فهى تكشف عن التحولات التى أصابت بنية التنظيم نفسه. فمن جماعة اعتمدت لعقود على شبكات الدعوة والعمل الاجتماعى داخل مصر، إلى تنظيم وجد نفسه، بعد 2013، مضطراً إلى الاستثمار بصورة أكبر فى أدوات البحث والإعلام والعلاقات الدولية، سعياً للحفاظ على حضوره خارج الحدود بعد انحساره فى الداخل.


وربما لهذا السبب، فإن دراسة تجربة عمرو دراج لا تقدم إجابات عن مسار رجل واحد فحسب، وإنما تفتح باباً لفهم التحوُّل الذى طرأ على جماعة الإخوان خلال العقد الأخير؛ تحوُّل لم يقتصر على تبدُّل القيادات أو أماكن الإقامة، بل شمل أيضاً طبيعة الخطاب، وأولويات الحركة، والوسائل التى اختارتها لإدارة صراعها السياسى فى مرحلة اختلفت فيها أدوات التأثير، وأصبحت فيها معركة الصورة والرواية لا تقل أهمية عن معركة التنظيم.


وبصرف النظر عن المواقف المتباينة من الرجل أو من الجماعة التى انتمى إليها، تبقى تجربته جزءاً من مسار سياسى أوسع شهدته مصر خلال العقدين الأخيرين؛ مسار أنتج شخصيات جمعت بين التكوين الأكاديمى والعمل التنظيمى، ثم دفعتها التحولات الكبرى إلى أدوار لم تكن مطروحة فى بداياتها. ولذلك، فإن قراءة عمرو دراج لا ينبغى أن تتوقف عند سيرته الشخصية، بل عند ما تعكسه من تحولات فى بنية الإسلام الحركى، وكيف أعاد تشكيل كوادره وأدواته وخطابه فى مواجهة واقع سياسى مختلف تماماً عن ذلك الذى نشأ فيه.


مواضيع متعلقة