وقف تراخيص البناء.. خطة إصلاح ما أفسدته الفوضى

كتب: أحمد العميد ورؤى ممدوح

وقف تراخيص البناء.. خطة إصلاح ما أفسدته الفوضى

وقف تراخيص البناء.. خطة إصلاح ما أفسدته الفوضى

العشوائية سيطرت على المبانى فى مصر بصورة كبيرة، خصوصاً فى المدن الكبرى وعواصم المحافظات، وانتشرت مخالفات المبانى بشكل مبالغ فيه، وانتشرت ظاهرة انهيار العقارات، خصوصاً فى القاهرة والإسكندرية، فظهرت البنايات العالية المطلة على شوارع ضيقة أشبه بحارات صغيرة وأزقة، فى مشهد متناقض من ارتفاعات شاهقة وضيق شديد للطرقات المحيطة.

عشوائية البناء التى اجتاحت المدن المصرية تزايدت حدتها بعد الانفلات الأمنى الذى شهدته مصر عقب ثورة 25 يناير وما تلاها من تقلبات سياسية، ولم تكن المخالفات مقتصرة على عامل الارتفاع غير المسموح وأخرى متعلقة بالسلامة الإنشائية وما ترتب عليها من سقوط عدد من المبانى وسقوط ضحايا، بجانب البناء على أراضٍ مملوكة للدولة والتعدى على حرم الطرق العامة وغيرها من المخالفات التى تُسهم فى انتشار العشوائيات التى تشن الحكومة حرباً شرسة عليها خلال السنوات الأخيرة.

الاستعانة بكليات الهندسة والمكاتب الاستشارية لمراجعة اشتراطات المبانى وتحويل المخالفين إلى النيابة العسكرية

الحكومة اتخذت قراراً مهماً قبل أسابيع بوقف إصدار تراخيص جديدة للبناء لمدة 6 أشهر فى محافظات القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات والمدن الرئيسية، كنقطة نظام لمراجعة اشتراطات البناء فى محاولة لإعادة النسق الحضارى لمصر ووضع شروط وعقبات وضوابط جديدة لإصدار تصاريح البناء، ويتم خلالها الاستعانة بكليات الهندسة والمكاتب الاستشارية للمساعدة فى مراجعة الاشتراطات وتحويل المخالفين إلى النيابة العسكرية لسرعة الحسم، كخطوة لمعالجة مشكلات تاريخية فى قطاع البناء. «الوطن» تفتح ملف مخالفات البناء وتداعيات القرار الأخير بوقف البناء وتأثيره على عمالة «المعمار» وقطاع مواد ومستلزمات البناء وعجلة الإنتاج فيها، وترصد تأثير القرار على الصالح العام وكيفية إعادة النظام إلى المبانى فى مصر من جديد.

توابعه: الركود يضرب سوق مستلزمات المبانى

قرار وقف تراخيص البناء 6 أشهر فى القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات والمدن الرئيسية، جاء لمواجهة مخالفات البناء أيضاً، لكنه آثار غضب عدد من تجار مواد البناء والعمال المشاركين فى تشطيبات الوحدات العقارية، واصفين إياه بـ«الجائر»، لمساهمته فى القضاء على مصدر رزقهم الوحيد، على حد قولهم، حيث تعود جذور الأزمة إلى مارس الماضى مع بدء تفشى فيروس كورونا، الأمر الذى أدى إلى حالة ركود وخمول فى سوق العقارات، وبالتالى انخفاض ملحوظ فى شراء مستلزمات البناء، والذى بدوره أفقد عدداً من العمال واليومية لقمة عيشهم، وكبّدهم خسائر كبيرة، حسب وصفهم.

أزمة مادية كبيرة يمر بها ياسر عبدالنبى، عامل بناء وتشطيبات، يقطن داخل غرفة صغيرة بشارع الطالبية بمنطقة الهرم بالجيزة، بسبب الأزمة المزدوجة التى يمر بها منذ أربعة أشهر كما يقول: «مشكلتنا أننا كعمال بناء دخلنا معتمد على اليومية، يعنى لو ما اشتغلناش يوم مابنلاقيش دخل، وعلشان كده واحنا فى عز تعبنا بننزل، وجات أزمة كورونا عطلت شغلنا، ودلوقتى قرار وقف التراخيص وقف حالنا خالص ومبقاش فيه حاجة ممكن نشتغل فيها»، ويشير «عبدالنبى» إلى أنّ التزاماته تجاه أسرته المكونة من زوجته وثلاثة أبناء تزداد مع مرور الوقت دون أن يجد مخرجاً لتغطية المصاريف: «بقالى 15 سنة شغال (بَنَّا) والدنيا كانت بتريح شوية لظروف كتير وبترجع تانى، بس عمرى ما قعدت الفترة دى كلها بدون شغل، واضطريت أستلف علشان أقدر أأكل ولادى وأجيب لهم علاج لو تعبوا، خصوصاً فى الظروف دى»، يقولها الرجل صاحب الـ35 عاماً بنبرة غاضبة وحزينة.

عمال: حالنا وقف تماماً.. ومش لاقيين شغل

الوضع المأساوى ذاته تكرّر بالنسبة لأحمد زكى، نجار، يعمل فى تشطيبات المبانى والشقق الجديدة، حيث يقول «زكى» البالغ من العمر 48 سنة ويعمل بالمهنة منذ ما يقارب الثلاثين عاماً أنّ أزمة كورونا ووقف التراخيص ألقت بكامل ظلالها على مجال عملهم: «قبل الفترة الحالية كنت باسافر أسوان وباعمل شغل نجارة فى معامل الجامعة، لكن بعد كورونا وقفنا شغل هناك، لأن كل حاجة قفلت، وبقيت باعتمد فى مصدر رزقى على الشغل هنا فى القاهرة»، ورغم حالة الخمول التى تعانى منها السوق العقارية، إلاّ أنّه كان بإمكان «زكى» تسيير أموره: «قبل الكورونا كانت الدنيا كويسة جداً معايا، ولما بدأت الأزمة دى كان فيه ناس بتكلمنى علشان أروح أشطب لهم شققهم أو شركاتهم لما الدنيا تهدى ويبدأوا فى البناء بس دلوقتى بقى الكل بيوقف الاتفاقات علشان مايبقاش بيخالف القرار ويتعرّض للعقوبة، وده أثر علينا كلنا بلا استثناء، وبقى شغلى بيقتصر على الأعمال اللى بنسميها شعبى أو داخلى، يعنى لو فيه شقة ساكنة مثلاً وأصحابها قرروا يجدّدوها، أو لو فيه مشاكل فى النجارة والسيراميك بنروح نعملها، بس برضو ده مايعتبرش دخل مجزى، وماينفعش نعتمد عليه، لأنه مش ثابت ومايخليناش نستغنى أبداً عن شغلنا الأساسى».

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لمحمد عبيد، 40 عاماً، تاجر مستلزمات ومواد بناء بمنطقة شبرا مصر بالقاهرة، حيث يقول «عبيد» إنّ القرار ترك أثراً سلبياً بشكل كبير على هذا النوع من التجارة، مشيراً إلى العلاقة الطردية التى تربط قرار إصدار التراخيص بعملية الإقبال على شراء مستلزمات وخامات البناء: «بسبب الركود خلال الشهور اللى فاتت المحل عندى كان بيخسر 7000 جنيه شهرياً، ولما الحكومة قررت ترجع الحياة بشكل طبيعى بعد العيد تدريجياً، كنا حاسين أنها هتفرج وهنقدر نعوض خسارتنا مع الوقت، بس بعد تطبيق القرار ده هنخسر أكتر من الأول، ومش عارف هنقدر ندفع مرتبات العمال والفواتير إزاى».

ويقول «عبيد» إنّ من أشكال الخسارة الكثيرة التى يتعرّض لها متجره هو تكدس أجولة الأسمنت داخل المخازن دون أن تجد مشترياً: «الشيكارة بتكون صلاحيتها 6 أسابيع بس، وقرار الوقف هيضطرنا نبيعه قطاعى، لأن محدش هييجى يشترى شيكارة 50 كيلو يخزّنها عنده، فاللى هييجى ياخد هيبقى بالكيلو، لأن بعد انتهاء مدّة الصلاحية ماينفعش يتم استخدامه فى أعمال الخرسانة علشان ممكن يتسبب فى كارثة، وبننبه على الزبون إنه للمحارة أو السباكة أو الحاجات الخفيفة بشكل عام». ويتابع: «بقيت باخسر 15 جنيه فى الشيكارة».

"شعبة مواد البناء": سيكبد القطاع خسائر كبيرة

ويقول أحمد الزينى رئيس الشعبة العامة لمواد البناء باتحاد الغرف التجارية، إنّ للقرار تأثيراً كبيراً على التجار وسيؤدى تطبيقه إلى خسائر كبيرة، مشيراً إلى أنّ الأضرار ستطال الدولة أيضاً، ولن تكون مقتصرة فقط على مصانع الحديد والأسمنت أو العاملين فى مجال البناء: «النهارده كل طن أسمنت أو حديد بيطلع من المصنع بيتدفع عليه 14% ضريبة قيمة مضافة بتروح لخزانة وزارة المالية والموضوع ده فى كل المنتجات بشكل عام وبالتالى وقف التراخيص هيلغى مصدر الدخل ده تماماً».

ويضيف رئيس الشعبة أنّه بالتبعية جراء الخسارة التى ستشهدها المصانع، سيتم تخفيف العمالة والاستغناء عن عدد كبير منهم: «التجار مابيحققوش أى مكسب، وبالتالى الأزمة هنا هتكون مركبة وفيها متضررين كتير من فئات مختلفة، وده هيزود نسبة البطالة اللى الدولة بتحاول تقللها وتوفر فرص عمل ليهم».

ويتابع «الزينى» أنّ هناك عوامل كثيرة أثرت على دخل ومبيعات تجار وأصحاب محلات مواد البناء: «فى البداية الدولة منعت البناء على الأراضى الزراعية والعقارات المخالفة وما اعترضناش، وبعد كده جت أزمة كورونا فخلت فيه ركود فى السوق، ودلوقتى كمان توقيف التراخيص، فكده انت بتقضى على المجال ده»، مشيراً إلى أنّ قرار وقف التراخيص لمدّة 6 أشهر يعتبر فترة كبيرة بالنسبة للمحافظات النائية: «ممكن نتفهم تطبيق القرار ده فى القاهرة والإسكندرية بسبب عمليات التطوير وإنشاءات الكبارى، لأن ممكن بعض الأراضى تحتاج الدولة إنها تضمها علشان بتدخل ضمن حيز التطوير، لكن فى بعض المحافظات الأخرى مفيهاش تطوير، وبالتالى القرار ده مالهوش لازمة وبيوقف مصالح ناس كتير من غير فايدة».

اقرأ أيضًا:

خبراء: الحكومة تعالج مشكلات تاريخية وتسعى للقضاء على "العشوائيات"

سماسرة: تأثير وقف التراخيص محدود بسبب أزمة "كورونا".. والركود سيد الموقف في سوق العقارات

"التنمية المحلية": مراجعة اشتراطات البناء لإعادة النسق الحضاري


مواضيع متعلقة