بالأسماء والمواقع خريطة كنز المخطوطات القبطية المنهوبة

كتب:  مصطفى رحومة

بالأسماء والمواقع خريطة كنز المخطوطات القبطية المنهوبة

بالأسماء والمواقع خريطة كنز المخطوطات القبطية المنهوبة

قصاصة فى الشرق وأخرى بالغرب وبينهما رقوق ما زالت قابعة فوق رفوف فى الصحراء، أو مكدسة داخل المخازن، تحوى تاريخاً يحكى فصولاً لم ترو أو تكتب عن ماضى مصر والعالم، تتضمن تراثاً غنياً بكل أشكال الإرث الإنسانى، تسبب الإهمال فى ضياع أجزاء كبيرة منه، وصار مطمعاً للغزاة واللصوص الذين تكالبوا عليه ليُشيِّدوا به مكتبات الغرب، وما تبقى منه أهمل إلا القليل الذى جرت محاولات من أطراف متعددة لإنقاذه.

هذا هو مصير التراث القبطى، الذى اكتشفنا فى رحلتنا أن مستودعاته وخزائنه التى حفظت فيها أوراق الحضارة والتاريخ الإنسانى، تحولت لـ«مغارة لصوص» تجمع داخلها الغزاة والرحالة والطامعون الذين نهبوا من مكتبات الأديرة معظم المخطوطات فى القرون الوسطى ليشيّدوا به المكتبات العالمية الكبرى التى يعرفها العالم فى الغرب حالياً والذى بنى بعد قرون من الحروب الدينية الدموية المدمرة حضارته من لبنات مسروقة، كان النصيب الأكبر منها من التراث القبطى الذى ما زالت سرقته تتواصل حتى الآن فى غفلة أو غياب من المسئولين عن الحفاظ عليه.

فى تلك الحلقة من الرحلة، فتحنا الملف المسكوت عنه، حيث فتشنا فى الكتب وراجعنا الأرشيف، لنرسم خريطة كنز التراث القبطى المنهوب الذى وُزعت دماؤه على دول العالم الكبرى، لنكتب أسماء اللصوص الأفاضل، ونروى تفاصيل السرقة الثقافية الكبرى.

لصوص المخطوطات استغلوا أموالهم ومراكزهم في تبديدها والمتاجرة فيها.. والسرقات بدأت منذ القرن الـ17 الميلادي

وصلنا إلى مكتبة الدير الأثرى المشيد بوادى النطرون شمال مصر، التى يعكس معمارها قصراً من قصور المعرفة، وتضم بين جنباتها كتباً لشتى العلوم والمعارف والآداب، والمتجول بين أركانها يضع يده على فمه انبهاراً كمن يصغى إلى عظيم بين قومه، من حجم ما بها من وثائق ومخطوطات نادرة رصت على أرفف أحاطت مكاتب القراءة التى تتوسط باحتها، حيث كانت وما زالت الأديرة القبطية هى خزانة العلم والمعرفة، التى تناثرت فى برارى مصر، وأنارت مكتباتها الشرق بما وصلت إليه قديماً، فيما كانت الظلمة تلف الغرب وخاصة فى العصور الوسطى التى شهدت حروباً دينية دموية ومدمرة، قبل أن يفيق الغرب ليبنى حضارته من لبنات مسروقة، كان النصيب الأكبر منها من التراث القبطى.

الأديرة خزانة العلم والمعرفة التي تناثرت في براري مصر.. ومكتباتها أنارت الشرق بما وصلت إليه قديماً

مدير مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية: اهتمام الغرب بالسطو على التراث القبطي بدأ بعد اكتشاف أنه حلقة مهمة وخطيرة في تاريخ المسيحية

ويقول الدكتور لؤى سعيد، مدير مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية، لـ«الوطن»: «المخطوطات القبطية ملأت مكتبات شهيرة فى العالم مثل الفاتيكان والمكتبة الوطنية بباريس وغيرها حتى وصلت إلى مكتبات الهند، فالتراث القبطى حدث له تدمير وليس سرقة المخطوطات فقط، ففى العصور الوسطى أخذ الرحّالة والزائرون يطوفون على الأديرة والرهبان ويحصلون منهم على المخطوطات إما باستغلال الثقافة البسيطة التى كانت لرهبان الأديرة القبطية فى ذلك الوقت ويتم مقايضتهم بالحصول على أجزاء من المخطوطات التى كانت مهملة وكانت خزائنهم تحوى كميات كبيرة منها مقابل المال، وإما السرقة، وخرجت معظم المخطوطات بالطريقة الأولى، أما الثانية فقد بدأت متأخرة نوعاً ما وذلك بعد أن بدأ الرهبان يعرفون قيمة ما يمتلكون ولم يكونوا بسذاجة الماضى، فبدأت السرقات تحدث».

«سعيد»: مصر لها أهمية كبيرة بالنسبة للغرب المسيحي باعتبارها ثاني أرض مقدسة بعد فلسطين

ويضيف «سعيد»: «فى القرون الوسطى بدأ اهتمام الغرب بالسطو على التراث القبطى بعد أن اكتشفوا أن هذا التراث حلقة مهمة وخطيرة فى تاريخ المسيحية، بمعنى أن مصر بالنسبة للغرب المسيحى لها أهمية كبيرة باعتبارها ثانى أرض مقدسة بعد فلسطين والعائلة المقدسة زارت مصر، فاكتشفوا أن هناك تراثاً مصرياً قبطياً عريقاً وثرياً لأن اللغة القبطية كانت مجهولة بالنسبة للغرب حتى القرن الـ16 الميلادى، حتى وضع الألمانى أثناسيوس كرشر قواعد اللغة القبطية باللاتينى فتمت معرفة أن هناك تراثاً ثرياً جداً وعظات وتنظيرات عقائدية، حيث كانت الكنيسة المصرية هى المنافس التاريخى لكنيسة روما منذ القرن الخامس الميلادى عقب مجمع خلقيدونية، وزادت أهمية التراث القبطى للكنيسة المصرية أكثر بعد دخول الإسلام، لأنه حينما دخل الإسلام مصر بدأ الأقباط يترجمون جزءاً كبيراً من تراثهم للغة العربية، وبدأوا يتعرضون لجدل لاهوتى عقائدى نظراً لتوجه نقد للمسيحية من قبل المسلمين حول الثالوث والتجسد، وبدأ الأقباط يؤلفون كتباً للرد على هذا التفنيد الذى يوجه لهم بطريقة راقية ليس مثل مناظرات تلك الأيام وليس بهدف التقليل والتحقير ولكن استيعاب الآخر وقبوله، والجدل اللاهوتى هذا بين الإسلام والمسيحية لم يكن موجوداً فى الغرب، وحينما بدأ هذا الجدل يظهر فى الغرب مع دخول الإسلام أوروبا لجأ الغرب للتراث القبطى للرد وذلك لأنهم لم يكن لديهم القدرة على الجدل، وبدأ من هنا الاهتمام بالمخطوطات القبطية واقتنائها».

وتابع «سعيد»: «بعد ذلك بدأ الولع بعلم المصريات وخاصة اللغة القبطية التى تم اكتشاف أنها حلقة وصل ما بين الحضارة المصرية القديمة والمصريين المعاصرين، وساهم فى ضياع تلك المخطوطات أن المصريين فى العصور الوسطى لم يكونوا مكترثين بقيمة المخطوطات ولم تتم دراسة تلك المخطوطات بعد ضعف استخدام اللغة القبطية، حيث كان الأقباط حافظين للغة فى الصلوات لترديدها شفهياً ولم يكونوا يعرفون اللغة قراءة وكتابة».

أستاذ لغة: ندفع أمولاً للغرب مقابل الاطلاع على مخطوطات هي ملكنا

ويقول الدكتور إبراهيم ساويرس، أستاذ اللغة القبطية بكلية الآثار جامعة سوهاج، والحاصل على الدكتوراه فى الدراسات القبطية من جامعة ليدن بهولندا، لـ«الوطن»: «يعتبر الغرب أن من جمع مقتنيات كثيرة للمكتبة بطل قومى، وأنه مغامر أنفق أمواله من أجل المتحف، ولكن هو بالنسبة لنا سارق، وهؤلاء هم سبب أن يتفرق دماء التراث القبطى على مكتبات العالم، بل الأدهى أن تلك المخطوطات التى هى ملكنا وتراثنا، ندفع مقابلاً للغرب من أجل الاطلاع عليها، وسبق أن كشف كل من القمص متّى المسكين أشهر رهبان الكنيسة فى القرن العشرين فى كتابه (الرهبنة القبطية)، والمؤرخ البريطانى أليستر هاميلتون فى كتابه (الأقباط والغرب) عن تلك السرقات وبالأسماء كيف خرج التراث القبطى إلى أوروبا».

«صبحي»: خروج المخطوطات من مصر تم على مراحل وهناك سفن غرقت في المتوسط تحمل التراث القبطي

ويقول القس باسيليوس صبحى، راعى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، والباحث فى التاريخ والتراث القبطى، لـ«الوطن»: «خروج المخطوطات من مصر تم على مراحل وتم على أيدى أسماء كثيرة، وهناك عشرات الدراسات حول المكتبات الغربية المليئة بالدراسات والنصوص القبطية الموضحة فيه الكتالوجات الموضوعة فيها، وموضحة فيه أسماء الرحالة ومن قام بنقلها، لقد نقلت المخطوطات والتراث القبطى من مصر عبر سفن غرق بعضها فى البحر المتوسط، وهناك قصص كثيرة وأسماء كبيرة، من القرن السابع عشر حتى التاسع عشر الميلادى، تورطت فى تلك العملية»، مضيفاً: «الأجانب حينما جاءوا مصر نقلوا كمية مخطوطات كثيرة كانت تنقل بالمراكب، وأخذوا الأشياء الثمينة والفريدة معهم وتركوا كتب الصلوات بالكنائس التى توجد منها نسخ كثيرة».

«اعتبرت الكتب والمخطوطات رصيداً من العلم والثقافة يضاهى الجواهر، وكان طبيعياً أن تُحفظ وتعرض كما تحفظ وتعرض المقتنيات الثمينة، ولكن هذا الإرث الإنسانى المكتوب، الذى تصفه اليونيسكو بذاكرة العالم، تعرض لسرقات حتى إنه فى أوقات كانت المكتبة تشبه المغارة التى اجتمع فيها اللصوص على سلبها»، قال ذلك دليلنا الراهب القبطى صاحب الاسم المستعار «الأب كيرلس» الذى يصحبنا فى الرحلة، وهو يمد يده يعطينا كتاب «الرهبنة القبطية» لـ«القمص متى المسكين»، الذى كشف فيه بالأسماء من وصفهم بـ«لصوص المخطوطات الأفاضل» الذين سرقوا مكتبة دير أبومقار بوادى النطرون، التى تعود للقرن الرابع الميلادى، مستغلين أموالهم ومراكزهم الأدبية والسياسية فى تبديد المخطوطات بالمتاجرة فيها والتربح من ورائها حتى ما خُبئ منها داخل ما عرف بـ«الغرف المسحورة» داخل الأديرة، أُخرج منها وسُرق.

فيقول «المسكين» فى كتابه: «بعد انعقاد لسان الرهبان عن النطق باللغة القبطية لم تعد المكتبة بالنسبة لهم مصدر نور وعرفان، فقد فقدت المكتبة طابعها الشعبى بالنسبة للرهبان وأصبحت وقفاً على العلماء والباحثين والمنقبين، وتشتت المخطوطات القبطية وتم تبديدها على مكتبات العالم على يد من يطلق عليهم علماء، وكان من جراء هذا النهب والسلب أن تمزقت المخطوطة الواحدة فصار نصفها فى الفاتيكان والآخر فى باريس، ومَلزمة فى مانشستر وملزمة فى برلين».

وحول ما تعرضت له المخطوطات القبطية من ضياع، تحدث «المسكين» عما حاق بمكتبة دير أبومقار، حيث يقول: «انعدام اللغتين اليونانية والقبطية من على ألسنة الرهبان جعل هذه المخطوطات الثمينة بلا منفعة، هذا إلى جانب غارات البربر المتكررة التى جعلت الرهبان إما يحملون المخطوطات الثمينة خارج الدير فلا تعود إليه مرة أخرى، وإما إخفاء المخطوطات فى غرف مسحورة مظلمة رطبة أساءت إلى أنواع المخطوطات، كما أن وباء الطاعون الذى حل بالدير أنهى على الأعداد الكبيرة للرهبان حتى صاروا أربعة رهبان أو أقل، وبذلك تُركت المكتبة بلا أى عناية تحت رحمة الرطوبة وديدان الكتب».

ويضيف «المسكين»: «هذا إلى جانب لصوص المخطوطات الأفاضل الذين استغلوا أموالهم ومراكزهم الأدبية والسياسية فى تبديد المخطوطات، ومع احترامنا لأسمائهم ومراكزهم فمنهم الكهنة ومنهم أمين مكتبة الفاتيكان ومنهم الضباط والعلماء والسيدات، ومعظمهم كان يقدم أثماناً لهذه المخطوطات ولكن الحقيقة التى لا مفر منها أنهم كانوا لصوصاً بمعنى الكلمة، وقد تاجروا فيها وربحوا جميعاً حتى على المستوى المادى، وقد ابتدأ عصر العبث بالمخطوطات وسرقتها منذ القرن الـ17 الميلادى».

ونشر «المسكين» قائمة بمن وصفهم بـ«اللصوص الأفاضل» تارة، وتارة أخرى بـ«المغامرين الأثرياء» الذين نهبوا المكتبة كلها حتى لم يبق فيها شىء، وهم: «أجاثا أنج دى فندوم الكبوشى»، الذى كان يموله شخص يدعى «بيرسيك» كما يظهر فى خطاب مؤرَّخ فى 18 مارس 1634م يبشره فيه بالحصول على صفقة من مخطوطات دير أبومقار التى يوجد فى مكتبتها فى ذلك الوقت 8 آلاف مخطوطة.

و«فانسليب» الذى احتال على الدير وحصل على مجموعة كبيرة، و«روبرت هنتنجتون (1637-1701م)»، وهو رجل كنيسة إنجليزى ومستشرق وجامع مخطوطات، واللبنانى «يوسف سمعان السمعانى (1687-1768م)»، كان أسقفاً وعلامة مارونياً عُرف بنشاطه بجمع وترجمة المخطوطات المسيحية السريانية فى الشرق الأوسط، كما كان أول مشرف على مكتبة الفاتيكان، واستحوذ على مجموعة كبيرة من المخطوطات القبطية عام 1715م وضمها للفاتيكان، والذى يوصف بأنه أكبر الذين سطوا على مكتبة دير أبومقار فى العصر الحديث كله، وأخطر العوامل التى قوّضت صرح المكتبة وكتب عن نفسه «وقد حصلنا من رهبان دير أنبا مقار على مخطوطات هى على أعلى درجة من الأهمية والقيمة مكتوبة باللغة القبطية، ولم نبق عندهم على أى شىء آخر يمكن أن يحصل عليه أى أحد آخر مهما كان طماعاً».

وكان السارقون يفاخرون بما يغترفونه من الكنز المباح فكتب الباحث «إيفلين هوايت» الذى كتب يزايد على «السمعانى»: «ولكن جاء من يلتقط من وراء هذا السمعانى واستطاع أيضاً أن يخرج بغنيمة» متكلماً عن نفسه وآخرين، و«الكونت الفرنسى أنطوان فرانسوا أندريوسى (1761-1828م)» الذى كان قائداً فى حملة نابليون بونابرت على مصر واستطاع عام 1799م الحصول على العديد من المخطوطات من دير أبومقار.

و«برناردينو دروفيتى ‏( 1776-1852م)»، وهو رحالة ودبلوماسى إيطالى ومستكشف وأثرى كان يعتبر بشكل ما قنصل نابليون فى مصر، استولى على العديد من مقتنيات مصر منها المخطوطات القبطية وما حصل عليه عام 1818م شكَّل مقتينات متحف تورين فى تورينو.

و«روبرت كيرزون»، وهو سائح حصل بطريقة غير معروفة على مجموعة من المخطوطات القبطية عام 1837م، ورجل الدين بكنيسة إنجلترا والعالم القبطى «هنرى تاتام (1788-1868م)»، الذى حمل من دير أبومقار وحده مجموعة أوراق مفردة أو ملازم يزيد عددها على المائة واستقرت فى مكتبة رايلاند بمانشستر.

والألمانى «قسطنطين تيشندورف (1815-1874م)»، والذى قيل إنه اكتشف عام 1844م فى دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء أقدم وأكمل كتاب مقدس فى العالم، وحمل عدداً من مخطوطات وأوراق من الرق من دير أبومقار واستقرت الآن فى مكتبات ليبزج وكامبردج.

و«فورتيون آم»، الذى يقول عنه «المسكين»: «إن كل اللصوص السابقين دخلوا المكتبة من أبوابها إلا هذا فإنه قام عام 1873م بالتسلل ليلاً حتى وصل إلى غرفة المكتبة وقام بسرقته الثمينة التى ربما قذفها من فوق السور ويظن (إفلين هوايت) أنها مخطوطات عربية مهمة استقرت الآن فى المكتبة الأهلية بباريس».

وأخيراً عالم الآثار الإنجليزى «هيو جى إيفلين هوايت (1874-1924م)»، ودخل مكتبة أبومقار عام 1921م وأخذ من أوراقها التى ظنها من سبقه أنها من المهملات، وهى التى كانت داخل الغرف المسحورة للمكتبة التى كانت بالحصن وكشف مواضيع كانت قد عدمت مصادرها باللغة القبطية مثل «إنجيل الرؤيا، رؤية أنبا بنيامين، المناظرة مع يوحنا الرابع، أبوكريفا آدم، وغيرها» ومعظم هذه الأجزاء غير الكاملة وجد أنها تكمل مخطوطات ناقصة فى المواضيع الأخرى من المكتبات التى استقرت فيها المخطوطات.

مؤرخ فرنسي: الفاتيكان كان أكثر حرصاً على حيازة التراث المكتوب للطوائف المسيحية الشرقية 

وبحسب المؤرخ الفرنسى فريدريك هيتزل، فإن وجود المخطوطات الشرقية فى المكتبة الوطنية بباريس، ليس أمراً يعود إلى محض المصادفة، فحينما عقد بابا روما «مُجَمَّع فلورنسا» الذى انتهى عام 1445م، لبحث وحدة المسيحيين حول العالم بهدف التصدى لصعود الدولة العثمانية، قدّمت وفود الشرق مخطوطات شرقية ثمينة للبابا إيجين الرابع، بابا الكنيسة الكاثوليكية (1383ـ1447م)، وقد أظهر أقباط مصر كرماً بالغاً، فأهدوا مجموعة مهمة من المخطوطات العربية، بحيث أصبحت مكتبة الفاتيكان، عند إنشائها سنة 1475م، تحتوى على واحد من أغنى مخازن المخطوطات العربية فى أوروبا المسيحية.

وبالرجوع للمصادر الكنسية، فإن هذا المجمع عقد فى عهد البابا يوأنس الحادى عشر، البطريرك الـ89 فى تعداد بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذى أرسل مندوباً عنه لحضور «مُجَمَّع فلورنسا»، هو «يوحنا، رئيس دير الأنبا أنطونيوس».

ويضيف «هيزل»: «بفعل تأثير عصر النهضة، فإن مطاردة المخطوطات الشرقية بدأت فى إيطاليا أبكر منها فى فرنسا، حيث كانت الكتب تعتبر فى ذلك العصر موضوعات ذات قيمة كبيرة، وأنشأ الميسورون لأنفسهم مكتبات عظيمة. وفى أواسط القرن الـ15 أرسل البابا نيقولا الخامس بابا الفاتيكان (1397-1455م) مبعوثين للبحث عن مخطوطات الأعمال المهمة، وكان الفاتيكان -لأسباب دينية بالخصوص- حريصاً أكثر على حيازة التراث المكتوب للطوائف المسيحية الشرقية. وفى بداية القرن السابع عشر، بدأت المكتبات وخزانات جامعى التحف تغتنى بالمخطوطات الشرقية. وأطلقت فرنسا العديد من البعثات التى سميت بالبعثات (الأركيولوجية)، والتى أوكلت إليها مهمة جمع المخطوطات والعملات والتحف بطريقة علمية. وكان الفاعلون الرئيسيون فى هذه العملية هم قناصل سلالم المشرق فى المقام الأول، وهؤلاء كانوا بدورهم يعمدون إلى استخدام مبعوثين لشراء تلك المخطوطات».

وتابع «هيزل»: «فى القرنين 17 و18، كان البحث فى المخطوطات يجرى عن التراث العلمى الضائع للعصر القديم، الذى تم نقله من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية، وكذلك عن النصوص المسيحية بغرض إذكاء نار المجادلات الدينية. وفى القرن 19 انصب الاهتمام أكثر على الجانب الجمالى للمخطوطات، والدليل القاطع على ذلك هو شراء مجموعات مرموقة، من قبيل شراء مجموعة مقتنيات الموظف القنصلى لفرنسا بمصر أصلان دو شورفى (1772-1822م) والتى تبلغ 1500 مخطوطة وذلك سنة 1833م»، مشيراً إلى أن المكتبة الوطنية بباريس ضمت إليها مكتبات الأديرة وخاصة تلك التى جلبتها الحملة الفرنسية من مصر.

ومن أشهر «الغزاة» الذين استولوا على المخطوطات من الأديرة، كان السلطان العثمانى سليم الأول (1470-1520م)، فعند دخوله مصر عام 1517م، استولى على مخطوطة (العهدة النبوية)، التى كانت موضوعة فى دير «سانت كاترين» بجبل سيناء، وهى مخطوطة تعود للقرن الثانى الميلادى عبارة عن كتاب العهد الذى كتب للدير فى عهد الرسول محمد وهو العهد الذى يؤمّن فيه الرسول أهل الكتاب على أموالهم وأنفسهم وممتلكاتهم، وتحوى بصمة الرسول، وشهد عليها العشرة المبشرون بالجنة، إلا أن «سليم الأول» حمل المخطوطة إلى الأستانة، وهى معروضة بأحد المتاحف فى تركيا، وترك لرهبان الدير صورة معتمدة من هذا العهد مع ترجمتها للتركية.

ويقول الراهب القمص بيجول السريانى، المسئول السابق عن مكتبة المخطوطات بدير السريان بوادى النطرون، إن مئات المخطوطات التى كانت داخل مكتبة الدير الأثرى، انتقلت بطريقة أو بأخرى خلال القرنين الـ18و19 إلى مكتبات الغرب، مشيراً إلى أن الدير فقدَ فقط 640 مجلداً باللغة السريانية، معظمها مقسم بين المكتبة البريطانية ومكتبة الفاتيكان، وأن أول اللصوص الذين نهبوا مكتبة الدير كان اللبنانى «ألياس السمعانى» عام 1707م، وكتب فى ملاحظاته أن الرهبان الأقباط فرطوا بسهولة فى المخطوطات السريانية، حتى إنه عاد مرة أخرى للدير واستولى خلالها على مخطوطات قبطية وعربية.

وأضاف «بيجول»، لـ«الوطن»: «قصة السرقات بدأت فى منتصف القرن الـ18 الميلادى، حينما نشأت فى أوروبا جمعيات يهودية بهدف دراسة وصياغة المفاهيم فى الكتاب المقدس، إلا أنه طرأ عليها بعد ذلك العناصر السياسية والاستعمارية، حيث ظهرت رغبة الكنيسة البابوية بأوروبا فى السيطرة على العالم المسيحى، ورغبة الجمعيات اليهودية فى دراسة التطور فى النصوص والفكر من اليهودية للمسيحية، وظهور الإلحاد المعاصر الذى حاول تفنيد النصوص الدينية، وتلك الأغراض المتنوعة التقت جميعاً فى أن أصول الكتاب المقدس وكتاباته وتفسيراته ودراساته موجودة فى إقليم مصر والشام، لتبدأ تلك الجمعيات فى تنظيم رحلات ممنهجة لشراء أو الاستيلاء على المخطوطات مستغلين التدهور السياسى والاجتماعى والاقتصادى للدولة العثمانية التى كانت تحكم مصر والشام، لينقلوا تلك المخطوطات لأوروبا لدراستها، حيث كان الشعب يعانى الفقر وبدأت تلك الجمعيات الدخول للأديرة والكنائس والمزارات لتأخذ المخطوطات مقابل مقايضة بالمال وغيره».

ولا تمتلك أى مؤسسة فى مصر كنسية أو رسمية، حصراً دقيقاً للمخطوطات المنهوبة من خزائنها، إلا أنه بحسب الدكتور إبراهيم ساويرس، فإن خريطة توزيع المخطوطات القبطية المنهوبة حول العالم ضمت: «مجموعة لندن، وتضم مخطوطات من أديرة سوهاج والفيوم ووادى النطرون، وساهم فى خروجها من مصر الكاردينال الإيطالى ستيفانو بورجيا (1731-1804م) الذى حصل عليها من تجار القاهرة أو جهلاء الصعيد، كما تضم مخطوطات خرجت على يد تاجر الآثار موريس نحمان (1868-1948م) يهودى الديانة، مصرى المولد، يونانى الأصل، الذى عمل فى منطقة وسط البلد بالقاهرة ابتداءً من عام 1890م، وبصماته منتشرة فى جميع مبيعات الآثار المصرية لأهم المتاحف فى أوروبا والولايات المتحدة، حيث باع قطعاً قبطية وإسلامية عالية الجودة، للمتاحف التى لم تكن قد أنشأت بعد أقساماً مستقلة مخصصة لهذه الحقب، فساعد عمله فى خلق تصورات عامة عن نشأة هذه الأقسام».

و«مجموعة مخطوطات باريس» خرجت عن طريق التجار أو تم اقتناؤها من مكتبات أوروبية أخرى، فضلاً عن «مجموعة مخطوطات الفاتيكان» وساهم فى جمعها الكاردينال الإيطالى بورجيا، وأمين المكتبة «السمعانى» إلى جانب آخرين منهم «بيترو دلا فالا، رافائيل الطوخى، شياسكا».

و«مخطوطات نيويورك» التى جمعها رجل الأعمال الأمريكى جون بيربونت مورجان (1837-1913م)، والعالم الفرنسى إميل شاسيناه (1868-1948م) الذى تولى منصب مدير المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة فى الفترة من (1899-1912م)، وشارك فى ترميم معبد إدفو، واكتشاف مقبرة ابن الملك كيبوس بمنطقة أبورواش، وشارك فى أعمال الحفر فى وادى الملوك ودير باويط، واكتشف برديات معظمها قبطية وأصبح عضواً فى المجمع العلمى المصرى عام 1948م، وحصل هذا العالم على المخطوطات القبطية التى عثر عليها فلاحون فى منطقة جرجا بصعيد مصر، كما حصل على مخطوطات دير الملاك ميخائيل الحامولى بالفيوم من الفلاحين المكتشفين لها وأقنعهم بضرورة إرسال هذه المخطوطات إلى باريس لدراستها والتعرف على قيمتها وثمنها.

كما شارك فى جمع مخطوطات نيويورك أيضاً كل من «تيودور بيترسن، وبنتلى لايتون، وليو دى باوت».

بالمستندات.. المخطوطات القبطية بين السطو والإهمال

كانت المخطوطات القبطية وما زالت عرضة للسرقة والنهب منذ القرون الوسطى وحتى يوم الناس هذا، بسبب الإهمال المتعمّد، حتى ما بقى منها داخل الكنائس والأديرة أو المتاحف فى مصر، كان عرضة للتلف، حتى إن مياه المجارى أغرقته.

هذا ما اكتشفناه فى رحلتنا لتلمس خُطى التراث القبطى المنهوب، وتاريخ المصريين المهمل، وكنزهم المسكوت عنه.

فالمتربصون بالتراث القبطى من علماء الغرب ما زالوا موجودين، يخفون سرقاتهم بقناع العلم، ويسلبون كنوزنا ونحن فى سُبات عنها، ليتاجروا فى إرث الإنسانية الذى خطته أنامل أقباط مصر، هذا ما تكشف عنه الأوراق التى حصلنا عليها، والوقائع التى سجّلناها عن جهات أمريكية سطت على 10% من حجم مخطوطات المتحف القبطى ونحو 20% من مخطوطات الكنيسة المصرية، وأتاحتها على شبكة الإنترنت، دون موافقة أو معرفة الجهات المعنية.

كما أن الكنيسة المصرية بدلاً من أن تحمل مشاعل التنوير للتنقيب عن كنوز التراث القبطى «المطموسة» القابعة فى خزائن الأديرة وصوامع الرهبان فى الصحراء، استمر نفر داخلها فى معاداة الكتب والكتّاب بحُجة «حماية الإيمان الأرثوذكسى»، لتتعرّض المخطوطات التى بحوزة الدار البطريركية للإهمال.

 

تتلألأ الكتب العتيقة والمخطوطات على أرفف مكتبة الدير الأثرى فى وادى النطرون، ونحن ننظر إليها وكأنها مجوهرات المعرفة أسفل مصابيح العلم، حيث واصل الراهب القبطى صاحب الاسم المستعار «الأب كيرلس»، الحكى: «رغم السرقات الثقافية الكبرى للتراث القبطى التى حدثت فى القرون الوسطى، إلا أن ما تبقى فى أيدينا حتى اليوم تعرّض تارة للإهمال وتارة أخرى للنهب بطرق غير مباشرة، فأكبر مجموعتين من المخطوطات القبطية فى مصر الآن، تلك التى تقبع فى المتحف القبطى بالقاهرة، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية».

الدكتور إبراهيم ساويرس: المتحف القبطي يضم مجموعة ضخمة جداً من الكتابات باللغتين القبطية والعربية لم تلمسها يد

وحسب الدكتور إبراهيم ساويرس، فإن مجموعة المتحف القبطى تضم المخطوطات التى جمعها مرقص سميكة باشا (1864 - 1944م)، وهو مؤسس المتحف الذى افتُتح عام 1910م، وصار «سميكة» أول أمين له حتى وفاته، وظل المتحف ملكاً لبطريركية الأقباط الأرثوذكس حتى 1931م حين ضُم إلى أملاك الدولة، مشيراً إلى أن مخطوطات المتحف لا تتوقف عن النمو بحكم القانون، وهو يضم مجموعة ضخمة جداً من الكتابات باللغتين القبطية والعربية لم تلمسها يد.

أما عن مجموعة الكاتدرائية، فيقول «ساويرس»: «هى أغرب مجموعة من المخطوطات القبطية على وجه الأرض، فلقد تم جمعها من الكنائس المختلفة، والغلبة فيها للغة العربية»، مشيراً إلى أن ما هو موجود من المخطوطات خارج مصر أضعاف ما هو موجود داخلها، قائلاً: «اللصوص صعّبوا التاريخ ورجال الكهنوت ساعدوهم، وقلة عدد الباحثين المدرّبين على تحرير المخطوطات الأدبية أسهمت فى ما تم الوصول إليه، إلى جانب نُدرة الاهتمام باللغة القبطية فى مقابل اللغة اليونانية، وحالياً العربية، وما هو موجود بين أيدينا يحتاج إلى الفهارس».

استفاد الغرب فى العصر الحديث من المخطوطات القبطية وعمل على تسجيلها فى كتالوجات، مثل: «فابيو 1480 - 1553م، وجيوفانى مانجريلى 1722 - 1793م، وجورج زوجا 1810م، ومجموعة مورجان، وكتالوج مكتبة كامبريدج»، بل تواصلت حتى يومنا هذا الدراسة والقراءة فى «مخطوطات نجع حمادى»، التى أخذ العلماء فى الغرب يثيرون العالم المسيحى بالاكتشافات التى تتم فيها، والتى تتضمّن ما يُعرف بـ«الأناجيل المحرّمة»، وما يُوصف بـأنه «هرطقات» تعارض ما حدّد من كتب العهد الجديد منذ القرن الرابع الميلادى، حيث تشمل المخطوطات مكاتبات تظهر «زواج المسيح» أو «تعاليم المسيح السرية إلى أخيه يعقوب»، الموجودة فى أرشيف جامعة أكسفورد.

ورغم بكاء الكنيسة المصرية على أطلال مأساة سرقة المخطوطات القبطية، إلا أنه استمر نفر داخلها فى معاداة الكتب والكتّاب بحجة «حماية الإيمان الأرثوذكسى»، وإن كان ليست لهم القدرة على حرقها كما فعل السابقون الأولون، واستمروا فى مهاجمة كل جديد يخالف ما استقر عليه الأمر داخل الكنيسة، حتى إن كان المؤلف من البيت الكنسى، أمثال «الراهب القمص متى المسكين»، الذى طُوردت كتبه حتى وهو فى قبره، و«القس إبراهيم عبدالسيد»، الذى لم يجد مَن يُصلى عليه بعد وفاته بسبب منع الكنيسة الصلاة عليه بسبب آرائه، وبدلاً من أن تحمل الكنيسة مشاعل التنوير للتنقيب عن كنوز «التراث المطموسة» القابعة فى خزائن الأديرة وصوامع الرهبان فى الصحراء، خاصة مع ظهور الأصوات التى أخذت تصرخ من داخل جدرانها، منادية بضرورة مراجعة كُتب «التراث الكنسى»، كتلك التى أطلقها الأنبا بفنوتيوس، مطران سمالوط بمحافظة المنيا، فى كتابه الذى حمل عنوان «المرأة فى المسيحية»، إلا أن القائمين على الأمر استمروا فى المعركة التى خصمت من رصيد الكنيسة لدى الأقباط، ووصل هذا الصراع إلى درجة «تحريم» كتب من يوصفون بـ«الإصلاحيين» من دخول الكنيسة ومكتباتها، فيما صار الأمر «حلالاً» لكتب من وُصفوا بـ«التقليديين» التى تموج بها المكتبات الكنسية وتتسابق دور النشر الكنسية عليها، بل فاق الأمر لتتعدّى معارك الكنيسة مع «الكتب الدينية» إلى «الكتب الأدبية»، مثل رواية «عزازيل» للدكتور «يوسف زيدان»، الذى حصل بها على جائزة «البوكر» العربية، كما حصلت على جائزة «أنوبى» البريطانية، لأفضل رواية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ورواية «شفرة دافنشى» لـ«دان براون».

وخاض تلك المعركة كثر داخل الكنيسة، إلا القليل استمروا فى التنقيب داخل المخطوطات، ومنهم رهبان بدير السريان الذين اكتشفوا عبر المخطوطات التى بالدير عن اختلافات فى كتب سير القديسين، مما دفع الأنبا متاؤس، رئيس الدير، إلى تشكيل لجنة لتعديل «السنكسار»، وهو كتاب يُقرأ فى الصلوات داخل الكنائس، بناءً على المخطوطات.

جهات أمريكية تتيح مخطوطات للكنيسة القبطية وبطريركية الكاثوليك والمتحف القبطي.. والكنيسة ومسئولون: نبحث الأمر

وفى ظل تلك المعركة، أهملت المخطوطات القبطية، مما جعل أكبر المجموعات الموجودة منها فى مصر، وتقدّر بالملايين عرضة للضياع والسرقة حتى يومنا هذا، وهو ما اكتشفناه فى رحلتنا تلك.

فمنذ أن قام كل من «مرقس سميكة، مدير المتحف القبطى الراحل»، و«يسى عبدالمسيح، أمين مكتبة المتحف القبطى الراحل»، فى 1939م بإعداد كتالوج عن المخطوطات القبطية فى المتحف القبطى بالقاهرة، وفى 1942م، بإعداد كتالوج عن المخطوطات القبطية فى بطريركية الأقباط الأرثوذكس، التى بدأ جمعها منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادى، لم يمس تلك الأوراق والرقوق أحد طوال عقود من الزمن، وحسب الدكتور إبراهيم ساويرس، دعا الدكتور جودت جبرة، الأستاذ الزائر للدراسات القبطية بجامعة كليرمونت، والذى كان يشغل منصب مدير المتحف القبطى بالقاهرة، المتخصصين من أوروبا وأمريكا لبدء مشروع وضع كتالوج عام للمتحف، كما عمل على رقمنة مخطوطات المتحف القبطى، بتحويلها إلى ميكروفيلم (أحدث وسيلة رقمية فى زمانهم)، وذلك لإتاحتها لاحقاً للدارسين والباحثين، وعمل فريق أمريكى كبير من جامعة «بريجام يونج» على تصوير المخطوطات، وقاموا بتصوير عدد ضخم جداً من مخطوطات المتحف القبطى، ما بين عامى 1987 - 1992م، ثم توقف المشروع قبل نهايته، ونُسخت ميكروفيلمات جامعة «بريجام يونج» عدة نسخ لتسهيل العمل عليها فى عدة أماكن خارج الولايات المتحدة، من بينها نسخة محفوظة فى جامعة نيميخن بهولندا.

ويضيف «ساويرس»: «منذ 5 سنوات، قام فريق من الجامعة بتحويل الميكروفيلم إلى ملفات (بى دى إف) وإتاحته على موقع الأرشيف بالمجان لمن أراد دراسته. وكنت أظن ومعى الكثير من أهل التخصّص أن ما رُفع على موقع الأرشيف هو كل ما صورته الجامعة أو كل محتويات الميكروفيلم، لأن محاولة مراجعة المخطوطات فى ملفات الـ(بى دى إف) على الفهارس المطولة التى أعدّها فريق الجامعة فى عدة أجزاء هو أمر يكلف الكثير من الوقت، حتى أتاح الدكتور كريستيان هيل من الجامعة ذاتها عدداً من المخطوطات لم تكن متاحة من قبل».

ويوضح «ساويرس»، أن ما أتاحته الجامعة الأمريكية مؤخراً على الإنترنت بالمجان هو 10% من حجم مخطوطات المتحف القبطى، ونحو 20% من حجم مخطوطات بطريركية الأقباط الأرثوذكس، وتمت إتاحتها دون موافقة أو معرفة من الجهات المعنية التى تفرض من أجل الاطلاع على تلك المخطوطات رسوماً رمزية، فضلاً عن دورة من «الروتين الحكومى» فى المتحف القبطى للاطلاع على أى مخطوطة، فضلاً عن خطاب رسمى من «البابا» للاطلاع على مخطوطات البطريركية، وهو أمر فى منتهى الصعوبة.

والمخطوطات التى تمت إتاحتها على الإنترنت تعود إلى كل من: «الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وبطريركية الأقباط الكاثوليك إلى جانب المتحف القبطى».

وبالتواصل مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أكدت أنها فوجئت بالأمر، وأنها ستبحث عنه من أجل الحصول على رد شامل، وتم إرسال الاستفسارات إلى البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، فيما أكد الأنبا باخوم، المعاون البطريركى للأقباط الكاثوليك والمتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية فى مصر، أنه لا يعلم عن الأمر شيئاً.

أما كاميليا مكرم جرجس، مدير المتحف القبطى بالقاهرة وأمينة قسم المخطوطات، فقالت لـ«الوطن»: «إن هذا المشروع كان عام 1995م، وكان قائماً على تصوير المخطوطات بنظام الميكروفيلم، ولكن ثبت أن تلك الطريقة ليست جيّدة، وتسبب تلف المخطوطات، فتم رفض استكمال المشروع الذى لم يتمكن القائمون عليه إلا من تصوير عدد محدود من المخطوطات القبطية التى بحوزة المتحف وتصل إلى 6000 مخطوط، وليس لدينا علم بمدى قانونية ما قامت به الجامعة الأمريكية من إتاحة المخطوطات والفهارس على الإنترنت، وما إذ كانت الاتفاقية التى وقّعتها مع وزارة الآثار وقتها تسمح لها بذلك»، مشيرة إلى أن المتحف بدأ فى 2007 - 2008م مشروعاً مع معهد «بولى جيتى» الأمريكى لرقمنة المخطوطات، ولكنه توقف بسبب أحداث ثورة 25 يناير 2011م، موضحة أن مشروع الرقمنة مهم للحفاظ على المخطوطات ولكنه مُكلف جداً، والمخطوطات التى بالمتحف فى حاجة ماسّة إلى الترميم، لذا يسعى المتحف حالياً للبحث عن مساعدة للقيام بهذا العمل الكبير.

وجامعة بريجام يونج، هى أكبر جامعة دينية فى الولايات المتحدة، مقرها الرئيسى فى مدينة بروفو بولاية يوتا، وتملكها كنيسة يسوع المسيح لقديسى الأيام الأخيرة (الكنيسة المرمونية)، وقمنا بمراسلتها على إيميل الجامعة لمعرفة لماذا أطلقوا تلك المخطوطات على الإنترنت، إلا أننا لم نتلقَّ رداً منها.

وكانت توجد علاقة عمل بين جامعة بريجام يونج ووزارة الآثار المصرية، إلا أن الوزارة قرّرت فى 2014م، وقف التعاون مع بعثة الجامعة التى كانت تعمل بقرية «فج الجاموس» الأثرية بمحافظة الفيوم لمدة 28 عاماً، فى بيان رسمى قيل إنه بسبب شائعة البعثة العثور على مليون مومياء فى الفيوم، وإطلاق تلك التصريحات لصحيفة «الديلى ميل» البريطانية.

وبالبحث عن رئيس فريق الجامعة الذى كان مكلفاً بعملية رقمنة المخطوطات القبطية الدكتور وليام ماكومبر، وجدنا أنه توفى فى 2008م عن عمر ناهز الـ87 عاماً، وهو اسم معروف جيداً لعلماء المسيحية الشرقية بفضل كتالوجاته ومقالاته الكثيرة عن المخطوطات، حيث عمل كمفهرس للمخطوطات الشرقية، بدءاً من عام 1974م، وتبرّعت عائلته فى 7 نوفمبر 2011م بعدة صناديق من أوراقه وممتلكاته الأخرى إلى متحف ومكتبة المخطوطات «هيل» المعروفة اختصاراً (HMML)، وهى منظمة غير ربحية يرعاها ويحتضن مقرها دير القديس يوحنا وجامعة «فى كوليدجفيل»، بمينيسوتا فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمن المخطوطات التى سلمتها العائلة مخطوطات قبطية حصل عليها من مصر.

ويتولى منصب أمين قسم المخطوطات الإسلامية والمسيحية الشرقية فى (HMML)، الدكتور ديفيد كالابرو، وهو حاصل على درجة البكالوريوس فى دراسات الشرق الأدنى من جامعة بريجهام يونج.

وتوجد فى مكتبة «هيل»، حسب موقعها الرسمى، 7500 مخطوطة فى فرع «المسيحية الشرقية» حصلت عليها من مصر وبلدان أخرى، وهى مخطوطات يعود بعضها للقرن السادس الميلادى، كما تحتوى تلك المكتبة على مخطوطات إسلامية حصلت على بعضها من «اليمن والأراضى الفلسطينية المحتلة، خاصة القدس وغزة يعود أقدمها إلى القرن العاشر الميلادى».

والمكتبة التى تأسست عام 1964م، تشير إلى أن هدفها «الحفاظ على ماضى العالم المكتوب بخط اليد ومشاركته لإلهام فهم أعمق لحاضرنا ومستقبلنا»، وكانت السيدة جيهان السادات، أرملة الرئيس الراحل أنور السادات، شاركت خلال عام 1986م فى حملة جمع تبرعات للمكتبة بالولايات المتحدة.

وحاولت «الوطن» التواصل مع الدكتور ديفيد كالابرو وأرسلت إيميلاً رسمياً إليه تستفسر عن طبيعة المخطوطات الرقمية التى حصل عليها من أسرة الدكتور ماكومبر، وهل إتاحتها على الإنترنت تمت عن طريقهم أم عبر آخرين، إلا أننا لم نتلقَّ رداً منه.

مياه المجاري أغرقت المخطوطات بالكنيسة والبابا أمر بنقلها إلى دير مارمينا بالإسكندرية.. والأنبا آرميا: تم ترميمها ونقل بعضها إلى المركز الثقافي القبطي

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ اكتشفنا أن عدداً من المخطوطات التى بحوزة الدار البطريركية للأرثوذكس عانت من الإهمال وضاع عدد منها بسبب عملية التخزين غير العلمية لها، فالمخطوطات التى كانت موجودة فى الكنيسة المرقسية بالأزبكية منذ القرن التاسع عشر الميلادى، أغرقتها مياه الصرف الصحى فى 1986م، و1990م، قبل أن يقوم الأنبا آرميا، الأسقف العام وسكرتير البابا الراحل شنودة الثالث فى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، بنقل المخطوطات إلى دير مارمينا العجايبى بمنطقة مريوط فى الإسكندرية ليتم ترميمها، وأرشفتها بطريقة ديجيتال (بى دى إف)، وتم نقل بعض تلك المخطوطات إلى المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، فيما بقى الجزء الآخر فى دير مارمينا.

وقال الأنبا آرميا لـ«الوطن»: «لدينا حصر بتلك المخطوطات، وتم ترميمها، إلا أننا لم نضع ما تمت أرشفته على الإنترنت، ولكن هو متاح للباحثين والدارسين للاطلاع عليه والدراسة داخل مقر المركز الثقافى القبطى».

إلا أنه رغم محاولات حفظ هذا التراث، خاصة المخطوطات، إلا أن بعضها سُرق واستمرت عملية السرقة حتى يومنا هذا، وهو ما تكشف عنه بوضوح الضبطيات الجمركية بالمنافذ الجوية والبحرية والبرية لعمليات تهريب للمخطوطات عبر حاويات لشركات استيراد وتصدير، فضلاً عن ظهور «التجارة فى المخطوطات» على مواقع التواصل الاجتماعى، حيث توجد عشرات الصفحات التى تروج لعمليات بيع وشراء فى مخطوطات نادرة تنتمى إلى جميع الحقب التاريخية.

ولوقف عملية سرقة التراث والمخطوطات، صدر القانون رقم 8 لسنة 2009م الخاص بحماية المخطوطات، والذى نص على أن تكون «الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية دون غيرها، الجهة المختصة بتطبيق أحكام القانون، إلا أن نص تشكيل لجنة الخبراء الفنيين للهيئة تضمن ممثلين عن «الأزهر والأوقاف» وتجاهل «الكنيسة»، ونص على حظر إخراج المخطوطات من مصر إلا للترميم أو العرض، وبناءً على إذن كتابى من الهيئة، وتضمن القانون عقوبات على المخالفين تشمل «غرامة لا تزيد على 200 ألف جنيه، والحبس مدة لا تقل عن سنة».

وتم تعديل هذا القانون عام 2018م، بسبب كثرة الشكاوى بشأن الأحراز والضبطيات الجمركية التى تحتوى على مخطوطات نادرة وإيداعها وزارة الآثار طبقاً لأحكام قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983م والمعدل بالقانون رقم 3 لسنة 2010م، والتى تذهب المخطوطات على أثره إلى وزارة الآثار بطريقة غير منطقية، كما خلا قانون حماية المخطوطات من النصّ على توجيه المخطوطات المصادرة من الضبطيات الجمركية إلى دار الكتب والوثائق القومية، حيث إنها جهة اختصاص، بل يلزم فقط دار الكتب بصيانة وترميم مخطوطات الغير، وتحمّل تكاليفها وفقاً للمادة 6، وقد ترتب على ذلك وجود عدد كبير من المخطوطات لدى وزارة الآثار نتيجة ما يتم إيداعه من الضبطيات والأحراز، والتى تُضاف إليها يوماً بعد يوم من الضبطيات الجمركية على منافذ مصر الجوية والبحرية والبرية.

وتعديل القانون تضمّن إلزام جميع أجهزة الدولة التى تضبط مخطوطاً لأى سبب أو تعثر عليه بإخطار الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية خلال 30 يوماً من تاريخ الضبط أو العثور على المخطوط، باعتبارها الهيئة الوحيدة المعنية بالمخطوطات.

وطرح خلال مناقشة التعديل إضافة ممثل للكنيسة لعضوية الهيئة، وأعلن وقتها المستشار عمر مروان، وزير مجلس النواب، موافقة الحكومة على اقتراح بهذا الشأن، إلا أن مجلس النواب لم يمرر هذا المقترح.

ومن جانبها، قالت الدكتورة نيفين محمد موسى، رئيسة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، إنه لم يتقدم أى شخص للدار بتسجيل المخطوطات التى يحتفظون بها فى منازلهم طبقاً للقانون، مشيرة إلى أن الموانئ والمطارات ضبطت خلال الفترة الماضية كميات كبيرة من المخطوطات والكتب النادرة المهرّبة، وذلك حسب الإخطارات التى ترد إلى الدار لتشكيل لجان لفحص المضبوطات، والتى فى حالة التأكد من تاريخها وأصليتها يتم ضمها إلى دار الكتب، لافتة إلى أنه لا يوجد حصر دقيق لديها حول تلك المضبوطات.

وكشفت رئيسة هيئة الكتب، أن المخطوطات المضبوطة أو الموجودة فى الدار يتم وضعها فى المخازن بعد عملية تعقيمها، وهناك إجراءات من أجل إخراجها لإتاحتها للباحثين للاطلاع والدراسة، إذ يوجد لدى الدار نحو 60 ألف مخطوطة، موضحة أن الدار تعمل حالياً على مشروع لرقمنة المخطوطات بأنظمة الديجتال، لتسهيل عملية الدراسة والاطلاع، وتم استقدام أجهزة حديثة للدار لهذا الغرض.

ولسنوات كانت التجارة فى المخطوطات المصرية بصالات المزادات العالمية أمراً مباحاً دون تحرك رسمى، حتى شكل رئيس دار الكتب السابق الدكتور هشام عزمى، وحدة خاصة لمتابعة صالات المزادات فى العواصم التى تعرض المخطوطات والوثائق المصرية، إلا أنها لم تستطع استرداد سوى ثلاث مخطوطات فى الفترة من أبريل 2018م إلى الآن، وهى: «مخطوط الكافيجى المختصر فى علم التاريخ، والجزءان الرابع والسادس عشر من ربعة قنصوة الغورى القرآنية، وأطلس سيديد لمحمود رائف أفندى»، واعتمدت آلية استعادة المخطوطات على المتابعة بصفة دورية لجميع المزادات حتى وقف البيع، والتفاوض المباشر مع صالات المزادات أو الأشخاص الحائزين على المخطوط، لإثبات أحقية مصر فى ملكية المخطوط من خلال المستندات الرسمية.

إلا أن الدكتور لؤى سعيد، شكّك فى فائدة عودة المخطوطات المبعثرة فى العالم، مشيراً إلى أن الغرب هو من كشف «علم القبطيات» وهناك تتم صيانة المخطوطات، ولكن فى مصر ستدخل المخازن.<


مواضيع متعلقة