تامر نادر يكتب.. تعالى يابا أديك دُش  

كتب: الوطن

   تامر نادر يكتب.. تعالى يابا أديك دُش   

  تامر نادر يكتب.. تعالى يابا أديك دُش  

أثناء مرحلتى الطفولة والمراهقة وبداية مرحلة الرشد، وكحال كثيرين غيرى مِمَن فى هذه المراحل العمرية، كنت أظن أننى على صواب دائماً، ولا أفهم ما يقوله أبى، ولا حتى أريد أن أفهم، بل كل ما يخالف أهوائى وتوقعاتى الصبيانية كنت أحسبه جفاءً منه، وأحزن فى داخلى، وكان ذلك سبباً فى حِرمانى من التقرُّب إلى أبى ومعرفة قلبه الحنون على حقيقته، فضلاً عن غربته الطويلة التى سرقته منا وجعلتنا لا نراه سوى شهرين أو ثلاثة أشهر كل عام أو عامين، وبعد ما طلَّق والدى الغربة وعاد إلينا تزوجتها أنا، فكنت دائم الترحال والسفر، مرات عديدة للدراسة وأخرى لأداء الخدمة العسكرية، فكانت النتيجة واحدة، وهى الحرمان من أبى وعدم التقرُّب منه ومعرفته على حقيقته.. ثم أخيراً، أنهيت الخدمة العسكرية ومزَّقت عقد زواجى مع الغربة لحين ردها فى موعد غير مُحدد، وبعد أن تخلَّص كلانا من بُعدِه وظننت أنها فرصة تقارُب العقول وتعانُق الأرواح، مرض أبى وتطورت الأمور سريعاً، وقبل أن يستوعب أحد منا وجدناه طريح الفراش لا يقوى على الحركة، ولا ينطق من الكلام إلا أقله.. فمتى تأتينى فرصة الحديث معه وتعويض كل ما حُرمت منه؟!

هذه الفترة، وأنا أرى والدى مريضاً، امتزجت داخلى مشاعر متباينة، فبرغم المشاعر الحزينة المتواترة فى أرجاء المنزل وقلوب الأسرة ونحن نرى هذا الأب القوى الذى حملنا بجملتنا على كتفه سنين هذا عددها يحتاج الآن لمن يعينه على الحركة، إلا أنها فرصة للجلوس مع والدى أكثر والتلامس بل والشبع من حنان قلبه الذى بدأت أتفهمه وأشعر به مؤخراً، بل وبكل صدق، وجدتها فرصة للتكفير عن اعتراضاتى الحمقاء التى كنت أُبديها فى سنوات طيشى دون فهم؛ فبدأت أختلس فرصة خدمته، بل وأخطفها من والدتى وإخوتى كلما استطعت، وكنت -إلى جانب الأشياء الثابتة على مدار اليوم من تقديم الطعام والدواء والاعتناء الكامل بنظافته- أتلذذ بمساعدته على الاستحمام، وكلما شعرت بالحنين لوالدى والشوق لتعويض سنوات عجاف حُرمت خلالها منه كنت أخاطبه: «تعالى يابا أديك دُش».

مساعدة والدى على الاستحمام، بل والقيام بالأمر كله، كان وقتها هو المتعة الكبرى ومصدر الشبع الحقيقى بالنسبة لى.. الشبع من فيض حنان والدى ورقة قلبه التى حرمنى طيشى وغربتنا من التلامس معها، فكنت عندما أصطحبه إلى الحمام، أُجلِسه على كُرسى بلاستيكى واسع ومريح وضعته خصيصاً له، وأبدأ فى نزع ملابسه بكل هدوء ووقار وحب، وعندما أنتهى من نزعها جميعاً، أرى والدى على حقيقته تماماً.. كطفلٌ نقيٌ برىء، وكأن الدنيا بسنواتها القاسية لم تتمكن سوى من عرقلة جسده الخارجى وترك ندباتها عليه، بينما الروح ما زالت تحظى وتتمتع بكامل طفولتها.

«روح يا ولدى ربنا يجعلك نضيف طول عُمرك».. قالها والدى ذات مرة فجأة وأنا أُجفف جسده بعد الاستحمام، فابتسمت روحى قبل ملامح وجهى، ورددت عليه بكلمات بسيطة برغم رقتها وجمالها لم تنقل كل ما بداخلى.. بعد الاستحمام، نخرج سوياً وأُجلِسه فى المكان الذى يُحب، وقبل أن تُحضر أمى الطعام والدواء، أذهب لإحضار «مشط» لأهذِّب شعره -كما اعتاد فى قوته- ومرآة صغيرة ينظر إليها قبل أن يُمطرنى بقطرات دعواته لتُرطب روحى المتعطشة.. وواظبنا جميعاً -أنا وأخوتى وأمى- نتسابق على خدمته، حتى خطفته منا براثن المرض التى تمكنت منه ليتم إيداعه للمرة الثانية غرفة عناية مركزة بمستشفى خاص فى بورسعيد، حيث يقطن عمى.

عدة أيام مرت أكثر ما آلمنى بها عدم قدرتى على نُطق كلمات: «تعالى يابا أديك دُش»، وكلما كنت أشتاق لها، كنت أنزوى وحيداً لأبكى بمفردى.. بعد ذلك حان وقت العودة إلى بلدتنا فى الصعيد -حسب نصيحة الأطباء وقتها لعدة أسباب لا داعى لذكرها- وبالفعل سبقتنا الأسرة إلى البلدة، ورافقت أنا أبى فى سيارة الإسعاف التى نقلته من بورسعيد إلى سوهاج، وبمجرد دخول المستشفى العام بسوهاج، وبعد أن كان أبى غائباً عن الوعى معظم الوقت، وجدته يطوح يده اليمنى ويُعيدها بصعوبة ليُقبل كفه بطناً وظهراً يشكر ربه.. على أى شىء؟ لا أعرف.. مرت الساعات ثقيلة جداً وشهدت إجراء الفحوصات الطبية المبدئية، وإنجاز بعض الأوراق.. وبينما كنت أواصل تنقلى بين الأطباء المعالجين جاءنى أخى الذى يكبرنى بعامين مهرولاً وعلى وجهه علامات الذعر والحزن: «نادى الدكتور بسرعة، أبوك مش بيتحرك!»، أسرعت إلى الطبيب أخبرته ودون أن أنتظر منه رداً هروَلت إلى أبى وهو نائم على سريره.. وقفت إلى جواره.. حدثته.. ناديته.. هززت جسده.. ولكن دون رد منه.. تجاسرت ورفعت جفن عينه ولم أحتمل، فتركته ليسقط مرة ثانية يغلق على عين أبى، وقد أتى الطبيب ليردد بعد لحظات كلماته الثقيلة فى مثل هذه الظروف: «شدوا حيلكم!».

وقتها خبطت راحة يدى أعلى جبهتى بقوة؛ لا أعلم، أمن قسوة الكلمة، أم لعدم التهيّؤ لسماعها فى هذا الوقت.. كيف يذهب وأنا ما زلت لم أشبع منه؟!.. وبرغم مشاعر الرضا التى وُلدت بداخلى وقتها وشعورى بأننى عوضت حرمانى منه -ولو قليلاً- فى الأيام السابقة، فإننى وجدتنى أبكى بقوة اشتياقاً لأبى واشتياقاً للحديث معه وتبادل كلمات المزاح ولو أقلَّها.. وها أنا الآن وبعد مرور أكثر من عامين على وفاته، أجدنى مشتاقاً جداً لخدمته ولرؤية الطفل الذى بداخله.. مشتاقاً لقول: «تعالى يابا أديك دُش».


مواضيع متعلقة