الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟

كتب: الوطن

الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟

الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟

(7)أمر سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكتابة السنة على عهده فكُتبت، وأُرسلت بأمره، صلى الله عليه وسلم، إلى الآفاق المسلمة، وكتَبَ الصحابة لأنفسهم فى مجالسهم مع سيدِنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم فى هذه المجالس العِلمية المباركة لا يَسرُدُ الكلام سَرداً كما يسردُ سائرُ الناس كلامهم، بل كان يتكلم بكلمات معدودات مُفصّلات، ويكرّر، صلى الله عليه وسلم، ما يقول، فيتمكن الجالسون من الكتابة ومن الحفظ جميعاً.

وقد ذكرنا مثالاً لبعض ما دوَّنه الصحابة الكرام من كُتب من خلال هذه المجالس النبوية، ورأينا أنه كان لسيدنا عبدالله بن عمرو بن العاص، رضى الله عنهما، أكثر من كتاب، وأنها كانت كتباً مصنفة، والتصنيف معناه أن يكون كل كتاب فى موضوع مستقلٍّ، والتصنيف مرحلة متقدّمة على مجرد الجمع والتأليف، وهذا يدل على أن كتابة السنة قد قطعت شوطاً بعيداً فى عهده، صلى الله عليه وسلم، وكيف لا وقد رأينا أنه، صلى الله عليه وسلم، هو أول مَن بدأ التصنيف فى ما أمرَ بتدوينه من كتب ورسائل خاصة بالسنة النبوية المطهرة؟!

وكما كان لسيدنا عبدالله بن عمرو عدة كتب كان لغيره كذلك، فها هو سيدنا سعد بن عُبادة، رضى الله عنه، وهو أحد كَمَلة العرب الذين سبقت الإشارة إليهم [جمع (كامل) وهم مَن أتقنوا الكتابة والسباحة والرمى]، كانت له عدة كتب كتبها عنه، صلى الله عليه وسلم، وهذه الكتب ظلَّت متوارثة لدى أبنائه وأحفاده يحدّثون منها، ولا شك أن صحابيّاً كسيدنا سعد رضى الله عنه، وهو أحد كملة العرب ستكون كتبه متميزة بتصنيف دقيق، ولعله صنَّفَ كتاباً خاصّاً بأقضية سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد رَوَى فى بعض كتبه أن سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى باليمين [الحَلف] مع الشاهد فى ما يخصُّ الأموال، أى: بيمين صاحب الحقِّ مع شاهدٍ واحدٍ له.

ومن هذه التصانيف الخاصة فى السنة النبوية مَنسَكُ سيدنا جابر بن عبدالله، رضى الله عنه، فقد ألَّف مَنْسَكاً صغيراً، وهو كُتيب صغير وصَفَ فيه رحلةَ حجّ سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منذ أن أعلمَ صلى الله عليه وسلم الناسَ بحجِّه إلى أن عاد صلى الله عليه وسلم من حجته المباركة، وقد وصف فى هذا المنسك كيف أدَّى صلى الله عليه وسلم الحج، وما أجاب به مَن سأله من صحابته عن بعض شئون الحج، وقد روى عنه هذا المنسكَ المباركَ الإمامُ مسلمٌ فى صحيحه بسند صحيح متصل إلى سيدنا جابر رضى الله عنه.

وكذلك صنف سيدنا زيد بن ثابت كتاباً فى الفرائض، أى المواريث، وقد كان رضى الله عنه مبرزاً فى هذا العلم الجليل، يقول فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد معبد، أستاذ الحديث بالأزهر الشريف، عن كتاب الفرائض هذا: «ومن الروايات التى توافرت عنه [أى: عن كتاب الفرائض] يُفهم أنَّ زيداً جمع فى كتابه هذا بين الأحاديث المرفوعة، وبين الآثار التى رواها عن بعض الخلفاء الراشدين، وبين تفسير منه لبعض آيات المواريث، وبين اجتهاد منه هو».

وكثرت كتب وتصانيف سيدنا عبدالله بن عباس، رضى الله عنهما، التى احتفظ بها بعده تلميذُه كُرَيب حتى كانت تَعدلُ حِملَ بَعير، ولعل لنا عودة إلى الإشارة إلى تصانيفه بشىء من التفصيل إن شاء الله تعالى.

وكثرة وتنوع هذه التصانيف يدل على أن جهود الصحابة فى التصنيف فى السُّنة كانت تتكامل فى ما بينها، وكان كلٌّ منهم يصنّف فى المجال الذى هو أوعى له وأضبط، وكان هذا معروفاً فى ما بينهم، وينبغى أن يُلحظَ أن كلامنا هنا فى خصوص التصنيف وليس فى عموم الكتابة، فإنها كانت منتشرة بين سائر الصحابة الكرام، حتى قال سيدنا أنس، رضى الله عنه: كنا لا نَعدُّ عِلمَ مَن لم يكتب عِلمَه علماً.

وقد رُوى عن عدد من الصحابة وَصيتَهم لِمَن يتلقون العلم: «قَيّدُوا العلمَ بالكتابِ»، وبعضهم يروى هذه الوصية عن سيدِنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد قدّم الجيل الأول التطبيقَ العَمَلى لهذه الوصية كأحسن ما يكون.

ومن الكتب التى جمعها الصحابة فى السنة المطهرة خلاف ما أشرنا إليه سابقاً كتاب سيدنا عبدالله بن أبى أَوْفَى، وكتاب سيدنا سَمُرة بن جُندب، وكتاب سيدنا أبى رافع، وكتاب سيدنا أبى موسى الأشعرى.. رضى الله عنهم أجمعين.


مواضيع متعلقة