«Gen Z».. طقوس العيد بين الحنين للماضي وضغوط الواقع
«Gen Z».. طقوس العيد بين الحنين للماضي وضغوط الواقع
قد لا تجد البيض الملون بالطرق التقليدية، لكن ستراه فى صور «ديچيتال»، أنيقة، وقد لا تشم رائحة الفسيخ النفاذة فى الشارع، لكنها حاضرة على طاولة أنيقة فى شرفة «كووركينج سبيس»، بوسط البلد أو الزمالك.
شم النسيم بدأ كعيد فرعونى لتجدُّد الحياة، ما زال يتجدد بالفعل، لكن هذه المرة على يد جيل يرى فى كل مناسبة فرصة للتعبير عن نفسه، لكن دون أن يقطع الخيط الرقيق الذى يربطه بذكريات طفولة كانت تمتلئ بالنزهات والساندوتشات الملفوفة فى ورق الجرائد، ولون البيض بالألوان المائية، لكن لم تعد نزهة الحدائق هى الطقس الأوحد، بل صارت جزءاً من سيناريوهات متعددة، من بينها رحلة سريعة للعين السخنة، أو تجمُّع داخل «جاليرى»، فنى، أو حتى احتفال على سطح مبنى قديم بوسط البلد أُعيد إحياؤه بديكور بوهيمى وإضاءات خافتة.
«شذا»: أحب الاحتفاظ بعادة أكل الفسيخ
شذا شادى، ذات العشرين عاماً، لا تولى اهتماماً كبيراً بمناسبة شم النسيم، فبين المحاضرات التى تتابعها فى كلية الآداب، قسم الدراما والنقد الفنى، وبين نوبات عملها اليومية فى مجال «الكول سنتر»، تبدو فكرة الاحتفال بالنسبة لها ترفاً لا يسمح به جدولها المزدحم، تقول «شذا»، بابتسامة هادئة: «شم النسيم هذا العام سيكون بالنسبة لى مجرد يوم عمل آخر.. الفرق الوحيد أننى سأحصل على أجر مضاعف، وهذا أكثر ما يميّزه بالنسبة لى».
لا توجد نزهة إلى الحديقة ولا خطط لتلوين البيض أو تناول الغداء فى الهواء الطلق، يومها سيمرّ وسط المكالمات الطويلة وضغط العمل، وأحياناً الشعور بالإرهاق، لكنها رغم كل ذلك تحرص على أن تُنهى اليوم بطقس صغير خاص بها يحمل طعماً من الماضى، فعند عودتها إلى المنزل فى المساء تفتح الثلاجة وتُخرج أطباق الفسيخ والرنجة، تقطّع القليل من البصل الأخضر، وتجهّز طبقاً بسيطاً لكنه يملأ قلبها بالدفء: «أحب أن أحتفظ بهذه العادة، حتى لو مش هحتفل زى زمان، على الأقل أعيش اللحظة على طريقتى»، تقول وهى تسترجع الذكريات.
تتذكر شذا أيام طفولتها، حين كانت والدتها وأختها تصطحبانها إلى النادى فى شم النسيم، هناك كانوا ينزلون إلى حمام السباحة، يقضون اليوم فى اللعب والضحك، ويتشاركون طبق الرنجة والفسيخ المعد خصيصاً لهذا اليوم: «كنا نعتبرها وجبة العيد مابناكلهاش إلا فى شم النسيم بس، لكن دلوقتى بقى ممكن ناكلها فى أى وقت من السنة».
«عمر»: بأقضى اليوم مع أصحابى فى وسط البلد
لا يحمل عمر محمد، ذو الثمانية عشر عاماً، الكثير من الذكريات الواضحة عن احتفالات شم النسيم فى السنوات الماضية، إذ نشأ عمر مع أسرته فى إحدى الدول العربية، حيث لم تكن هناك أى مظاهر للاحتفال بهذا اليوم، لا نزهات فى الحدائق، ولا بيض ملوََّن، ولا أجواء ربيعية تعبِّر عن الطابع المصرى التقليدى لهذا العيد الشعبى، ومع ذلك كانت والدته تحرص فى كل عام على أن تُعد طبق الفسيخ أو الرنجة، ولو بشكل رمزى، فى محاولة منها للحفاظ على الخيط الرفيع الذى يربط أبناءها بعادات الوطن الأم: «يمكن مفيش احتفال بمعناه الحقيقى، بس ماما كانت دايماً بتحب تعيِّشنا الإحساس ده حتى لو كنا بره مصر»، يتذكر تلك الوجبات الصغيرة التى كانت تحضِّرها والدته بعناية، رغم أنه لم يكن يحب طعم الفسيخ أو الرنجة، ويفضِّل أن يظل بعيداً عن المائدة وقت تناولها.
يعود بذاكرته إلى مصر، تحديداً إلى طفولته قبل السفر، تلوح أمامه مشاهد العائلة كلها عندما تتجمع فى هذا هذا اليوم، الجدات، والأعمام، والعمّات، والأطفال يملأون المكان ضحكاً وصخباً، بينما تتوسط السفرة أطباق الرنجة والفسيخ، المحضَّرة خصيصاً لتلك المناسبة: «ماكنتش باكل معاهم، بس كنت بحب اللمة وإحساس إن اليوم له طعم مختلف»، يضيف وهو يبتسم قليلاً.
عادة لا يضع عمر خططاً خاصة للاحتفال بشم النسيم، ولا يترقّبه كما كان يفعل بعض أقرانه، لكنه لا يمانع أن يقضى اليوم مع بعض أصدقائه فى نزهة خفيفة غير رسمية بوسط البلد أو الزمالك، فى أجواء خفيفة، بعيداً عن الالتزامات العائلية: «أنا مش ضد العيد، بس يمكن مش مرتبط بيه أوى خاصة إنى ماليش فى الفسيخ والرنجة، ولو جالى وقت حلو مع صحابى، يبقى كده احتفلت بطريقتى»، يقول عمر.
أسماء محمد، الطالبة ذات التسعة عشر عاماً بكلية الفنون التطبيقية، يمثل لها شم النسيم طابعاً خاصاً يحمل طقوساً اعتادت عليها فى طفولتها، رغم أن الأيام تمر سريعاً بين المشروعات التى تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ما يجعل تخصيص يوم كامل للاحتفال بالمناسبة أمراً صعباً، خاصة مع ضغط الجدول الدراسى وانشغالها الدائم: «ممكن اليوم يعدى وأنا لسه بشتغل على مشروع تسليم»، تقول أسماء بنبرة تجمع بين الواقعية والحنين.