النظام الجديد في سوريا بين خطاب «الاعتدال» وحالة «عدم اليقين»

كتب: محمود العيسوي

النظام الجديد في سوريا بين خطاب «الاعتدال» وحالة «عدم اليقين»

النظام الجديد في سوريا بين خطاب «الاعتدال» وحالة «عدم اليقين»

ترجمة: محمود العيسوي

فى أواخر مارس الماضى، قدّم أحمد الشرع، رئيس سوريا الجديد، حكومة مؤقتة ستشرف على انتقال البلاد من خمسة عقود من الحكم الديكتاتورى، وقد حرص على أن تضم تشكيلته الحكومية شخصيات من خارج محيطه الإسلامى، فعيّن امرأة مسيحية وزيرة للشئون الاجتماعية، ومسئولاً كردياً وزيراً للتربية والتعليم، ووزيراً درزياً للزراعة، ووزيراً علوياً للنقل، وتعكس هذه التعيينات الضغوط التى يواجهها «الشرع» لإثبات قدرته أمام الحكومات العربية والغربية، وكذلك أمام الشعب السورى، على تشكيل حكومة شاملة، تمثل الأقليات الدينية والعرقية فى البلاد، إلا أن مهمة النظام الإسلامى الجديد فى سوريا تزايدت صعوبتها مع اندلاع أعمال عنف فى مارس الماضى، ارتكبتها مجموعات مسلحة مرتبطة بحكومة «الشرع»، رغم أنها لا تعمل بأوامر مباشرة منها، استهدفت «العلويين» فى عدة مناطق غرب سوريا، ما أدى إلى مقتل المئات.

ومنذ أن اجتاحت جماعة «هيئة تحرير الشام»، التى يقودها «الشرع»، الذى كان يُعرف باسم «أبومحمد الجولانى»، شمال غرب سوريا فى ديسمبر 2024، وساعدت فى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، بدأت القوى الخارجية تتساءل ما إذا كان بإمكان شخصية إسلامية، مثل «الشرع»، أن تحكم بلداً بهذا الحجم وهذا التنوع؟، وفق ما جاء فى تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز»، أشار إلى أن «هيئة تحرير الشام»، التى كانت تُعرف فى السابق باسم «جبهة النصرة»، تمكنت من توسيع عملياتها فى محافظة إدلب، أثناء الحرب الأهلية فى سوريا، ونجحت فى بسط سيطرتها على المنطقة، بدعم من تركيا، إلا أنه من غير الواضح هل ما نجحت فيه الهيئة فى إدلب سينجح على نطاق سوريا بأكملها؟.

كما لفتت الصحيفة الأمريكية إلى أن هناك العديد من الشكوك حول مدى مصداقية «الشرع» فى تبنّيه لخطاب «الاعتدال الأيديولوجى»، حيث بدأت الهيئة كحركة متشددة متحالفة مع تنظيم «القاعدة»، وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، لكنها انفصلت عنهما فى العقد الماضى، وأعلنت أن «نضالها محلى وموجّه فقط نحو سوريا»، وبحلول عام 2020، كانت الهيئة تقاتل جماعات تابعة لـ«القاعدة» و«داعش» فى إدلب، وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، تواصل «الشرع» مع العديد من الحكومات العربية والغربية، مقدماً نفسه كـ«قائد معتدل» سيعمل على توفير الحماية للأقليات الدينية والعرقية فى البلاد.

ويمسك «الشرع»، حالياً، بزمام السلطة فى دمشق، وبحسب الدستور المؤقت، فإن الحكومة الانتقالية ستبقى فى الحكم لمدة خمس سنوات، قبل إجراء انتخابات رئاسية، ما يعنى أن «الشرع» سيظل فى الحكم فى المستقبل المنظور، ولا تزال الوزارات الأقوى تحت سيطرة حلفائه، وهو يترأس الجهاز التنفيذى، وكذلك يقر الدستور المؤقت، الذى أُعلن فى مارس، وثيقة حقوق تشمل حرية المعتقد والرأى والمساواة أمام القانون، لكنه يمنح «الشرع» صلاحيات واسعة جداً، إذ يملك حق تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، واختيار ثلث مقاعد البرلمان، بينما يجرى تعيين بقية المقاعد من قبَل لجنة عليا، يعيّن أعضاءها بنفسه، كما يمكنه فى أى وقت إعلان حالة الطوارئ، وتجاوز ما تبقى من القيود المؤسسية الضعيفة على سلطته.

«فورين أفيرز» تتساءل: هل يستطيع «الشرع» توحيد بلد على وشك الانفجار؟.. قيادة «هيئة تحرير الشام» مستعدة لتقديم تنازلات لجماعات لدمجها

ووفق تقرير «فورين أفيرز»، فإن الحكومة الجديدة تواجه تحديات كبيرة لترسيخ سلطتها على البلاد، وكسب تأييد جميع المكوّنات المجتمعية، رغم أن قيادة «هيئة تحرير الشام» تمارس سيطرة صارمة من القمة، إلا أنها تضطر إلى تقديم تنازلات لبعض الجماعات، التى تحاول دمجها فى النظام الجديد، بما فى ذلك الفصائل المسلحة التى تسيطر على أجزاء من الجنوب والشرق، غير أن هذا الجهد بلغ حدوده القصوى، حيث يهيمن على عملية اتخاذ القرار عدد محدود من المسئولين، ويستمر الانقسام على الأرض، مع رفض الفصائل المنافسة الانضواء تحت سلطة النظام الجديد.

وفى حالة إذا ما بقيت بعض الجماعات، مثل «الميليشيات الدرزية» فى الجنوب الشرقى، و«الأكراد» فى الشمال الشرقى، خارج دائرة تأثير «الشرع»، فستبقى سيطرته على سوريا جزئية، وفى وقت ما، ستضطر «هيئة تحرير الشام» إلى أحد الخيارات الصعبة، إما استيعاب هذه الجماعات، أو مواجهتها، أو القبول بواقع فعلى لا تمارس فيه الحكومة سيطرة على كل البلاد، وفى حالة عدم التحرك فإن ذلك سيجعل من عملية إعادة بناء دولة مركزية «مهمة مستحيلة»، خاصةً أن سوريا تواجه مشاكل خطيرة، من انهيار اقتصادى، إلى احتمال تجدد الصراع الداخلى، وتزايد التدخلات الخارجية، ولن تتمكن الحكومة المؤقتة من التعامل مع كل هذه التحديات، إذا استمرت سلطتها محل نزاع.

وأشار التقرير إلى أن «الشرع» و«هيئة تحرير الشام» استطاعا أن يثبتا قدرتهما على التكيّف، عندما سيطرت الهيئة على إدلب عام 2019، لم تكتفِ بفك ارتباطها عن «القاعدة» و«داعش»، بل تخلّت عن «الأيديولوجية الجهادية والسلفية»، واقتربت من «المدرسة الشافعية» المنتشرة فى المنطقة، وصالحت «الطرق الصوفية»، التى كانت تكن لها العداء فى الماضى، وتخلّت الهيئة عن هدفها السابق فى «تصحيح عقائد الناس»، وتراجعت عن فرض منظومتها الفكرية، ومن الأمثلة على ذلك، لجأت الهيئة، فى العام الماضى، إلى تجميد العمل بـ«قانون أخلاقى» اقترحه المحافظون فى إدلب، كان يفرض الفصل التام بين الجنسين فى الأماكن العامة، ويقيّد المظاهر الثقافية، مثل الموسيقى وملابس النساء، كما خاضت الهيئة معارك ضارية ضد «القاعدة» و«داعش» فى إدلب عام 2020.

وأوضحت المجلة الأمريكية أن هذا النهج استند إلى تقييم واقعى لموقع الهيئة فى أواخر العقد الماضى، حيث أدركت أنها تفتقر إلى الكوادر اللازمة لإدارة إدلب، واضطرت إلى كسب تأييد الأغلبية الصامتة من السكان، الذين رفضوا التشدّد، وعملت الهيئة على ترسيخ سيطرتها من خلال تقديم نفسها كبديل عن المتطرفين ونظام الأسد، وعملياً، أوكلت الهيئة العديد من مهام الإدارة، كالتعليم والصحة، إلى منظمات غير حكومية، لكنها لم تسمح بأى معارضة سياسية منظّمة، غير أنها بحلول عام 2024 شعرت بالأمان الكافى لتخفيف بعض القيود، فسمحت بهامش محدود للمجتمع المدنى، ووسّعت تمثيل البرلمان المحلى بعد احتجاجات شعبية.

واعتبر التقرير أن حكم سوريا من دمشق يختلف تماماً عن حكم إدلب، حيث إن مناطق النفوذ أكبر وأكثر اتساعاً وتنوعاً، ولا يمكن لنظام «الشرع» الاعتماد فقط على الكوادر لفرض السيطرة على كل المناطق، كما أن الحكومة الجديدة تحتاج إلى دعم دبلوماسى خارجى، خصوصاً لرفع العقوبات عن سوريا، كما تحتاج إلى تمويل خارجى، سواء من دول الخليج أو أطراف غربية، لإعادة بناء الجهاز الإدارى، وتمويل الجيش، كما لا تستطيع فرض رؤيتها من جانب واحد فى مناطق يسيطر عليها فاعلون مسلحون آخرون، واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن حلفاء سوريا فى الخارج قد لا يضغطون من أجل تحقيق «الديمقراطية»، لكنهم يتوقعون درجة من «الشمولية السياسية».


مواضيع متعلقة