بعد اجتماع «أذربيجان».. اتفاق ودي بين تركيا وإسرائيل لتجنب اشتباك «غير مقصود» في سوريا

كتب: لمياء محمود

بعد اجتماع «أذربيجان».. اتفاق ودي بين تركيا وإسرائيل لتجنب اشتباك «غير مقصود» في سوريا

بعد اجتماع «أذربيجان».. اتفاق ودي بين تركيا وإسرائيل لتجنب اشتباك «غير مقصود» في سوريا

فى تحول لافت بالمشهد الإقليمى المتوتر، بدأت تركيا وإسرائيل محادثات غير مسبوقة تهدف إلى تفادى أى اشتباك عسكرى بينهما على الأراضى السورية، فى خطوة وُصفت بأنها «اتفاق ودى» بين الطرفين، يعكس محاولة حثيثة لنزع فتيل التوتر بين دولتين تربطهما علاقات معقّدة، لكنهما تبقيان حليفين استراتيجيين للولايات المتحدة.

جاءت هذه الخطوة عقب اجتماع جرى الأسبوع الماضى فى أذربيجان، ضم مسئولين أمنيين من البلدين، على رأسهم مدير مجلس الأمن القومى الإسرائيلى، تساحى هنجبى، وحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد ركزت المحادثات على وضع آلية لتفادى التصادم العسكرى فى سوريا، خاصة فى ظل التغيّرات الجذرية التى شهدتها البلاد، بعد سقوط نظام بشار الأسد، فى ديسمبر الماضى.

ورغم الخلافات العميقة التى تفجّرت بين أنقرة وتل أبيب منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة أواخر عام 2023، يبدو أن الحسابات الأمنية فى سوريا دفعت الطرفين للعودة إلى طاولة التنسيق، وتفعيل قنوات الاتصال العسكرى، المعروفة باسم «آلية فض الاشتباك»، على غرار تلك التى كانت قائمة بين إسرائيل وروسيا لسنوات، خلال تدخلاتهما الجوية فى سوريا.

وعمل الجيشان الإسرائيلى والتركى فى سوريا، لسنوات خلال الحرب الأهلية الطويلة فى البلاد، إلا أنه بعد سقوط نظام الأسد، تصاعدت التوترات بين الجانبين مرة أخرى، حيث شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلى سلسلة من الضربات العسكرية، بدعوى حماية أمنها على المدى الطويل، فى حين احتضنت تركيا الحكومة السورية الجديدة، التى يقودها «إسلاميون» مقرّبون من أنقرة.

وقال وزير الخارجية التركى هاكان فيدان، فى مقابلة تليفزيونية فى وقت سابق من الأسبوع الماضى: «ليست لدينا أى نية للاشتباك مع سوريا»، لافتاً إلى أن الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة فى سوريا «غير مقبولة»، وانتقد ما وصفه بـ«الأطماع التوسّعية الإسرائيلية فى المنطقة».

وأدى انهيار نظام الأسد فى سوريا إلى تغيير جذرى فى موازين القوى فى الشرق الأوسط، حيث جاءت الخطوة على عكس مصالح كل من روسيا وإيران، فى الوقت الذى سعت فيه تركيا إلى توسيع نفوذها، خاصة أنها دعمت لفترة طويلة التمرّد ضد النظام السابق، الذى بدأ فى عام 2011.

وتُعد إسرائيل معادية للحكومة السورية الجديدة، التى يقودها أعضاء سابقون فى جماعة «هيئة تحرير الشام»، وهى جماعة إسلامية تأسّست كفرع لتنظيم القاعدة، ولكنها قطعت علاقاتها مع التنظيم فى عام 2016، وأقسمت على التخلى عن شنّ هجمات فى الخارج، وذلك فى إطار جهود استمرت لسنوات لكسب القبول الدولى.

وكانت تركيا من بين أوائل الدول التى احتضنت الحكومة السورية الجديدة، التى يقودها الرئيس أحمد الشرع، الزعيم السابق لهيئة تحرير الشام، الذى قاد هجوماً استمر 11 يوماً، انتهى برحيل بشار الأسد عن السلطة، وقد تعهد «الشرع» بأن يحكم سوريا بشكل أكثر شمولاً، وفى أواخر مارس الماضى، أعلن عن تعيين حكومة جديدة، تضم أعضاء من الأقليات، إلى جانب تكنوقراط مهرة، ورموز من المجتمع المدنى السورى.

وبعد سقوط الأسد، شنّت إسرائيل سلسلة من الضربات العسكرية التى تهدف إلى منع أى تهديد لأمنها، ودمّرت معدات عسكرية للنظام السابق، كما أرسلت قواتها إلى عمق الأراضى السورية، مما زاد من حدة التوتر مع الحكومة الجديدة فى دمشق. وفى فبراير، دعا رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى نزع السلاح فى مناطق جنوب سوريا بالكامل.

ووفق تقرير الصحيفة الأمريكية فإن غالبية الخبراء والمراقبين ينظرون إلى المحادثات بين تركيا وإسرائيل، على أنها محاولة لإعادة إنشاء خط اتصال بين الجيشين الإسرائيلى والتركى، بهدف تجنّب «اشتباكات غير مقصودة»، وقال أفنير جولوف، وهو مدير كبير سابق فى مجلس الأمن القومى الإسرائيلى، يعمل حالياً مع مجموعة «مايند إسرائيل»، وهى مجموعة استشارية للأمن القومى، إن القناة الجديدة ستكون مشابهة لتلك التى استخدمتها إسرائيل وروسيا لسنوات، لتجنّب الصدام عندما كان البلدان يشنّان غارات جوية فى البلاد، كما أن الولايات المتحدة وروسيا كان لديهما خطة لتجنّب الصراع فى سوريا.

وبينما قال «جولوف» إن إسرائيل بحاجة إلى الدخول فى محادثات أوسع مع تركيا حول ما يُمكن أن تتحمّله من الوجود التركى فى سوريا، وكيف يمكن للقوتين الإقليميتين، وكلتاهما حليفة للولايات المتحدة، المساعدة فى تشكيل المنطقة فى المستقبل، فقد أكد ألبر كوسكون، الرئيس السابق للشئون الأمنية الدولية فى وزارة الخارجية التركية: «هناك واقع عملى فى سوريا، بمعنى أن تركيا وإسرائيل تجدان نفسيهما فى أقرب نوع من الأوضاع العملياتية». وتابع: «المنطق هو أننا لا نبحث عن المواجهة فى سوريا، لدينا، كتركيا، بعض الاعتبارات الأمنية، وسنواصل تنفيذ ما نحتاج إلى القيام به هناك، ولكن هذا ليس ضد إسرائيل مباشرة».

كما يأتى إطلاق المحادثات بين المسئولين الأمنيين فى لحظة حاسمة فى علاقة تركيا مع إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، فحكومة الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، تأمل فى تحسين العلاقات مع واشنطن، وتدعو الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات التى فُرضت على صناعاتها الدفاعية خلال ولاية ترامب الأولى، بسبب شراء تركيا منظومة أسلحة روسية، وقال غونول تول، الباحث فى معهد الشرق الأوسط فى واشنطن وخبير فى السياسة الخارجية التركية: «ما يفعلونه فى سوريا هو أحد أكثر الطرق أماناً لأنقرة، لتقول لواشنطن إنها لاعب فى الفريق».

ولطالما انتقد «أردوغان» العدوان الإسرائيلى على غزة، منذ إطلاق جيش الاحتلال عملياته العسكرية فى أكتوبر 2023، حيث استدعت الحكومة التركية سفيرها من تل أبيب، فى نوفمبر 2023، كما أعلنت أنقرة عن فرض عقوبات تجارية على إسرائيل فى مايو 2024.

وفى الأسبوع الأول من أبريل الحالى، شن سلاح الجو الإسرائيلى موجة مكثّفة غير معتادة من الغارات الجوية على سوريا، الأمر الذى أكد خطر المواجهة مع تركيا، واستهدفت الضربات الإسرائيلية عدداً من المطارات، بالإضافة إلى إحدى القواعد العسكرية فى غرب سوريا، وهى أقرب إلى تركيا من الضربات الإسرائيلية الأخرى التى استهدفت جنوب سوريا، وقالت وزارة الخارجية السورية إن الضربات الإسرائيلية أدّت إلى مقتل وإصابة عشرات المدنيين.

وقال وزير الدفاع فى حكومة الاحتلال، يسرائيل كاتس، إن الضربات التى شنّها الجيش ضد مواقع فى سوريا، كانت بمثابة إشارة إلى الحكومة السورية الجديدة، بعدم السماح بدخول «قوات معادية لإسرائيل» إلى بلادهم. وتابع فى تهديده، قائلاً: «إذا سمحتم لقوات معادية لإسرائيل بدخول سوريا، وتعريض المصالح الأمنية الإسرائيلية للخطر، ستدفعون ثمناً باهظاً جداً».


مواضيع متعلقة