د. عاصم عبدالقادر يكتب: ماذا يقول الغزالي لنا اليوم عبر رسالة «أيها الولد»؟

كتب: محرر

د. عاصم عبدالقادر يكتب: ماذا يقول الغزالي لنا اليوم عبر رسالة «أيها الولد»؟

د. عاصم عبدالقادر يكتب: ماذا يقول الغزالي لنا اليوم عبر رسالة «أيها الولد»؟

حين يطول بنا الطريق، وتتشعّب أمامنا المسالك، ويغترّ الإنسان بكثرة ما حصّل من معارف، يأتينا صوتٌ من عمق التراث، هادئاً حاسماً، كأنه يخاطبنا نحن لا غيرنا: إلى أين نمضى بعلمنا إن لم يمضِ بنا إلى نفسنا؟! من هذا السؤال المتوارى بين السطور، تطلّ رسالة «أيها الولد» للإمام أبى حامد الغزالي، لا بوصفها رسالةً تعليمية عابرة، بل بوصفها نداءً أخلاقياً متجدّداً، توقظ القلب قبل أن تخاطب العقل، وتستنهض الضمير قبل أن يفيض بالمعلومات.

هذه الرسالة الصغيرة في حجمها، العميقة في أثرها، كُتبت جواباً لطالبٍ لازم الغزالي زمناً، ثم سأله أن يلخّص له زبدة العلم. فجاء رد الإمام: ليس العلم بكثرة الرواية، ولا بحشد المسائل، وإنما بحسن الامتثال، في عبارةٍ تكاد تختصر المشروع كله، يقول الغزالي: إن العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون. فالغزالي هنا يضعنا أمام مسئولية الوعي؛ فالمعرفة التي لا تتحول إلى سلوك هي عبء على صاحبها، والانشغال بالعمل دون بصيرة هو تخبط في العتمة. إنها معادلة دقيقة، تقيم التوازن بين المعرفة والسلوك، بين الإدراك والممارسة، وتضع الإنسان أمام مسئوليته الأخلاقية تجاه ما يعلم.

إن القيمة المعرفية لهذه الرسالة تنبع من معالجتها أزمةً متجددة تتمثل في انفصال المعرفة عن الأخلاق؛ ففى زمنٍ تتضخم فيه الشهادات وتتسارع فيه المعلومات، ويغمرنا سيلٌ من المعارف بضغطة زر، يعيد الغزالي توجيه البوصلة إلى سؤال الغاية: هل تُنتج المعرفة إنساناً أعدل وأصدق؟ وهل يصوغ العلمُ قيمَ صاحبه أم يُجرَّد منها؟ إن «أيها الولد» لا تقدم موعظة عابرة، بل تضع ميثاقاً أخلاقياً لطالب العلم، يُلزمه بمحاسبة النفس، وربط التحصيل بالمآل، وفى خضم السيولة الرقمية التي تجعلنا نحفظ الاقتباسات ونتداول الحِكم ونتحدث عن القيم، يظل السؤال الملحّ قائماً: كم من هذه المعارف غيَّر سلوكنا حقاً؟ وكم من فكرةٍ صارت خُلُقاً، ومن موعظةٍ تحوّلت إلى قرار عملي في حياتنا اليومية.

لقد أعاد الغزالي في رسالته ترتيب الهرم المعرفى وفق معيار المنفعة الأخروية؛ فلا ينكر قيمة البحث والدرس، لكنه يربطهما بغايةٍ عملية تُزكِّى النفس وتُصلح العمل. وتأتى هذه الرؤية امتداداً لمشروعه في «إحياء علوم الدين»، حيث وصل الفقه بالأخلاق، والظاهر بالباطن، وسعى إلى تحرير العلم من نزعات التعالى والخصومة. كما تتقاطع مضامين الرسالة مع تجربته التي عرضها في «المنقذ من الضلال»، إذ خلص هناك إلى أن اليقين ليس ثمرة الجدل، بل حصيلة مجاهدة النفس وصفاء القلب.

ومن خلال النداء المتكرر: «أيها الولد»، يُنشئ الغزالي علاقة تربوية قائمة على الشفقة والصدق؛ فالخطاب ليس تنظيراً مجرداً، بل تذكير عملى بمخاطر الطريق: آفة الرياء، وشهوة الجاه، وغواية الانتصار للنفس باسم الانتصار للحق.

وختاماً فهذه الرسالة على صغرها تبدو كبيرة في دلالتها، عابرة لعصرها؛ إذ تُعيد تأسيس معنى العلم على قاعدة العمل، وتُرسِّخ أن المعرفة نورٌ لا يضىء إلا إذا اقترن بالإخلاص، ومن ثمّ، تظل الرسالة وثيقةً تربويةً تعلّمنا أن طريق النجاة يبدأ من تصحيح القصد، يمرّ عبر مجاهدة النفس، وينتهي إلى علمٍ يثمر صلاحاً وعدلاً ورحمة في عالمٍ يزداد ضجيجه كل يوم.


مواضيع متعلقة