مصر ليست بعيدة عن التأثيرات السلبية للحرب الأمريكية الإيرانية.. الفاتورة الشهرية للغاز ترتفع لأكثر من 1.65 مليار دولار
مصر ليست بعيدة عن التأثيرات السلبية للحرب الأمريكية الإيرانية.. الفاتورة الشهرية للغاز ترتفع لأكثر من 1.65 مليار دولار
لم تكن مصر بعيدة عن التأثيرات السلبية التي ألقت بظلالها على مختلف المجالات، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، جرَّاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بل وصلت التأثيرات إلى الشارع المصري، خاصة بعد ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة عالميا، ذلك الأمر الذى أدركته الحكومة جيداً، وعلى أساسه اتخذت حزمة من الإجراءات والقرارات المُهمة والاستثنائية العاجلة، لتفادي قدر الإمكان تلك التأثيرات أو على الأقل تخفيف وطأتها.
ما إن وقعت الحرب خلال شهر فبراير 2026، بدأت اللجنة العُليا لإدارة الأزمات اجتماعاتها المُكثفة، لتفعيل آلية متابعة يومية لتطورات الأسواق العالمية، وتعددت الاتجاهات التى تحركت فيها الحكومة، حيث عملت على تأمين احتياجات الدولة من الطاقة، من خلال متابعة جداول التوريد والتعاقدات القائمة للمنتجات البترولية بصورة يومية، كما يجرى التنسيق مع الشركاء الدوليين فى قطاع الطاقة لضمان انتظام الإمدادات ورفع معدلات الإنتاج المحلى خلال الفترة الحالية.
لم تكن الأرقام فى أسعار الطاقة هينة جرَّاء الحرب، ذلك الأمر الذى وضحه جيداً الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً أن تكلفة الفاتورة الشهرية للغاز كانت تُقدّر قبل الحرب بنحو 560 مليون دولار، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 1.65 مليار دولار، نتيجة الزيادات الكبيرة فى الأسعار العالمية، بالتوازى مع ارتفاع أسعار مختلف المنتجات البترولية الأخرى.
ضمن الاتجاهات التى تحركت فيها الحكومة على المستوى الشامل، التنسيق مع البنك المركزى لتعزيز الموارد من النقد الأجنبى، من خلال التواصل مع المؤسسات المالية الدولية لتعجيل بعض الشرائح التمويلية المقررة، إلى جانب التحرك فى الأسواق الدولية وتوسيع برنامج الطروحات الحكومية خلال الأشهر المقبلة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع مساندة الصادرات السلعية والخدمية، وضمان تنافسية الصناعة والتصدير.
قبل أن تبدأ الحكومة فى اتخاذ القرارات الخاصة بالترشيد، أولت أهمية كبيرة لمنظومة الحماية الاجتماعية، حيث قررت مدّ العمل بقرار زيادة الدعم النقدى المقدم للمستفيدين من برنامجى تكافل وكرامة والأسر الأولى بالرعاية من حاملى البطاقات التموينية، الذى سبق الإعلان عنه ضمن حزمة الحماية الاجتماعية، لفترة إضافية تمتد لشهرين إضافيين.
يوم السبت 28 من شهر مارس 2026، بدأت الحكومة رسمياً تطبيق مواعيد غلق المحلات والمراكز التجارية «المولات»، والمطاعم، والكافيهات، والبازارات، وذلك عدا يومى الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد، والمناسبات الرسمية التى يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء.
لم تقتصر مسألة الترشيد على ذلك فقط، بل صدر قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة فى الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية، والذى يتضمن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتأجيل النفقات غير العاجلة، والحد من السفر والمؤتمرات والفعاليات ونفقات الدعاية، إلى جانب وضع ضوابط للإنفاق الاستثمارى والتركيز على استكمال المشروعات التى قاربت على الانتهاء.
كما أسرعت فى تنفيذ توجيه الرئيس عبدالفتاح السيسى لها، بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى، لمنع استغلال الظروف الاستثنائية الراهنة لرفع الأسعار، كما تقرر تطبيق نظام العمل عن بُعد لمدة يوم فى الأسبوع على أن يكون يوم الأحد من كل أسبوع فى القطاعين الخاص والحكومى، عدا القطاعات الإنتاجية وأيضاً المدارس والجامعات، والإبطاء الكامل للمشروعات الكبرى الجارى تنفيذها وكثيفة الاستهلاك للسولار والبنزين لمدة شهرين على الأقل، وخصم وتخفيض مخصصات الوقود لجميع السيارات والمركبات الحكومية بنسبة 30%.
على صعيد الأسعار، قررت لجنة تسعير المنتجات البترولية، تعديل أسعار بعض المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات فى ظل الظروف الاستثنائية التى تمر بها أسواق الطاقة عالمياً بزيادة قدرها 3 جنيهات للتر، وقررت وزارة النقل تحريك أسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية بالخطوط الطويلة بنسبة 12.5%، والخطوط القصيرة بنسبة 25%، وبالنسبة لمترو الأنفاق، قررت تحريك سعر التذكرة أيضاً.
بدورها، علّقت الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، على كل هذه الإجراءات، مؤكدة أنه فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وما فرضته من ضغوط على الأسواق المحلية، اتخذت الحكومة المصرية مساراً واضحاً نحو ترشيد الاستهلاك كإحدى أهم أدوات إدارة الأزمة، مؤكدة أنه لا يمكن قراءة هذه الإجراءات فقط من زاوية اقتصادية بحتة، بل تحمل فى طياتها دلالات اجتماعية عميقة تعكس تحولات فى علاقة الدولة بالمجتمع، وأنماط السلوك الاستهلاكى، وأولويات المواطنين.
وأضافت أن سياسات ترشيد الاستهلاك تعكس توجهاً نحو إعادة صياغة الثقافة الاستهلاكية داخل المجتمع المصرى، التى تأثرت لعقود بنمط يميل إلى الإفراط أحياناً، فالدعوة إلى الاقتصاد فى استخدام الطاقة، وتقليل الهدر، وضبط الإنفاق، ليست مجرد قرارات إدارية، بل هى محاولة لبناء «وعى رشيد» يقوم على المسئولية الفردية والجماعية: «هنا تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة هندسة السلوك الاجتماعى، بما يعزز قيم الاعتدال والاستدامة».