في الندوة الاستراتيجية العاشرة لـ«الوطن» | لبنان حائراً: الدولة العربية العريقة.. مَن يرسم مستقبلها؟

كتب: محرر

 في الندوة الاستراتيجية العاشرة لـ«الوطن» | لبنان حائراً: الدولة العربية العريقة.. مَن يرسم مستقبلها؟

في الندوة الاستراتيجية العاشرة لـ«الوطن» | لبنان حائراً: الدولة العربية العريقة.. مَن يرسم مستقبلها؟

أدار الندوة: د. أحمد الشحات ومحمد مصطفى أبوشامة

أعد الندوة للنشر: أحمد عاطف

تصوير - محمد فوزي

نظّمت جريدة «الوطن»، بالتعاون مع المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، الندوة الاستراتيجية العاشرة، التي خُصصت لمناقشة تطورات المشهد اللبناني تحت عنوان: «لبنان حائراً: الدولة العربية العريقة.. مَن يرسم مستقبلها؟»، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والخبراء والأكاديميين والمتخصصين في الشئون العربية والإقليمية من مصر ولبنان.

«أبوشامة»: حرب إيران أدخلت لبنان في قلب عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط

أدار الندوة الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبوشامة، مدير المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، بمشاركة الدكتور أحمد الشحات، أستاذ العلوم السياسية وخبير الأمن الإقليمي، وشارك في النقاش السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتورة منى وهبة، أستاذ الاقتصاد الدولي والوزير التجاري المفوض السابق بالسفارة المصرية في لبنان، والدكتورة سماء سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق، ومن لبنان الكاتب والمحلل السياسي محمد سعيد الرز، ورجل الأعمال اللبناني شارل الخوري، إلى جانب مستشاري وخبراء المنتدى الاستراتيجي: الكاتب الصحفي محمد صلاح الزهار، والدكتورة هالة عمر، والكاتب الصحفي إيهاب عمر، والكاتب الصحفي إيهاب نافع، والكاتب الصحفي إسلام أبوالمجد.

لحظة تاريخية فارقة

استهل الكاتب الصحفي محمد مصطفى أبوشامة، مدير المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، أعمال الندوة بالترحيب بالحضور، مؤكداً أن اختيار الملف اللبناني جاء انطلاقاً من إدراك حجم التحولات التي تشهدها المنطقة، وما تمثله الساحة اللبنانية من أهمية في معادلات الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط.

وأضاف أن السؤال الذي ظل مطروحاً خلال الفترة الماضية: «ماذا يحدث في لبنان؟»، لم يعد كافياً لفهم المشهد، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: «إلى أين يتجه لبنان؟»، وهل ما يشهده اليوم يمثل أزمة عابرة يمكن احتواؤها، أم أنه يؤسس لمرحلة جديدة تعيد صياغة الدولة اللبنانية وموقعها في الإقليم؟ وأوضح أن هذا البلد، الذي كان لعقود أحد أبرز المراكز السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي، يجد نفسه اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فرضتها تداعيات حرب إيران الأخيرة، وما نتج عنها من تبدل في موازين القوى، وصعود فاعلين جدد، وتراجع آخرين، إلى جانب إعادة تعريف أولويات القوى الإقليمية والدولية تجاه لبنان.

وأشار «أبوشامة» إلى أن الحرب لم تقتصر آثارها على البعد العسكري، وإنما أعادت رسم حسابات الفاعلين في المنطقة، وأدخلت لبنان في قلب عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع على أرضه مصالح متباينة لقوى إقليمية ودولية، تمتد من إيران وإسرائيل إلى الولايات المتحدة، مروراً بالقوى العربية الساعية إلى استعادة دورها في الساحة اللبنانية.

وأضاف أن جوهر الأزمة لم يعد يقتصر على تشكيل حكومة أو انتخاب رئيس أو معالجة أزمة اقتصادية، بل أصبح يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على استعادة قرارها السيادي، واحتكارها لاستخدام القوة، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس وطنية جامعة، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية.

تداعيات السابع من أكتوبر

وقال د. أحمد الشحات، أستاذ العلوم السياسية وخبير الأمن الإقليمي، إنه بحكم تجربته الشخصية خلال سنوات عمله في السفارة المصرية في «بيروت»، أكثر ما لفت انتباهه خلال تلك الفترة هو أن الأزمات اللبنانية تكاد تعيد إنتاج نفسها بصورة مستمرة، مضيفاً: «أتذكر أنني طالعت صحفاً لبنانية قبل نحو خمسة عشر عاماً، وعندما أعدت قراءتها لاحقاً شعرت وكأنها تتحدث عن واقع لبنان اليوم؛ فالمشكلات هي ذاتها، والأزمات هي نفسها، والفاعلون لم يتغيروا، وكذلك التحديات المرتبطة بإسرائيل، وإن اختلفت فقط درجة حدة الأزمة»، وأضاف أن لقاءاته مع القيادات السياسية اللبنانية كشفت له حجم الانقسام الداخلي؛ إذ كان كل طرف يقدم نفسه باعتباره الممثل الحقيقي للوطنية، بينما ينظر إلى الآخرين باعتبارهم يفتقرون إلى هذه الصفة، وهو ما يعكس عمق أزمة الثقة داخل الطبقة السياسية اللبنانية.

«الشحات»: قيادة لبنان تحاول احتواء «حزب الله» داخل مؤسسات الدولة لكن فرص نجاحها ضعيفة

وأوضح أن الأزمة اللبنانية لا يمكن فصلها عن شبكة التداخلات الإقليمية والدولية التي تتقاطع على الساحة اللبنانية، حيث تؤدي هذه التداخلات إلى تكريس الانقسامات الداخلية وإطالة أمدها، في ظل استمرار النظام الطائفي باعتباره أحد أبرز محددات الحياة السياسية.

واختتم «الشحات» حديثه بالتأكيد على أن القيادة اللبنانية الحالية تبذل جهوداً واضحة لاحتواء «حزب الله» ودمجه بصورة أكبر داخل مؤسسات الدولة، بما يحد من ازدواجية القرار الأمني والعسكري، إلا أنه أعرب عن تشككه في فرص نجاح هذا المسار، في ظل الضغوط الخارجية المتزايدة، والموقف الإسرائيلي الرافض، إلى جانب استمرار النفوذ الأمريكي والفرنسي والإيراني داخل الساحة اللبنانية.

معضلة السيادة اللبنانية

واستهل الكاتب الصحفي محمد أبوشامة النقاش بسؤال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق: هل يمكن للدبلوماسية أن تفتح طريقاً لحل الأزمة اللبنانية، أم أنها قد تتحول إلى عامل جديد لتعميقها؟

«حجازي»: لبنان يقف بين رؤيتين متعارضتين: مشروع الدولة واستعادة سيادتها والمشروع الإيراني

وقد أجاب السفير محمد حجازي، موضحاً أن لبنان يقف اليوم في قلب عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وأضاف أن جميع دول الإقليم تعيد تقييم مواقعها وأدوارها في ضوء التحولات الاستراتيجية المتسارعة، بينما يظل لبنان أحد أكثر الملفات تعقيداً، بحكم موقعه الجغرافي، وحدوده مع إسرائيل، واستمرار النفوذ الإيراني عبر «حزب الله».

وقال إن لبنان أصبح عملياً أمام مسارين تفاوضيين متوازيين؛ الأول يتعلق بترتيبات وقف إطلاق النار والتفاهمات الخاصة بالحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، والثاني يدور في إطار المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، التي لا تنظر إلى «حزب الله» باعتباره شأناً لبنانياً داخلياً، وإنما باعتباره من أهم أوراق القوة الإيرانية في الإقليم.

وتابع قائلاً إن هذين المسارين، رغم تقاطعهما في بعض النقاط، يعكسان رؤيتين مختلفتين تماماً لمستقبل لبنان؛ فبينما تسعى الدولة اللبنانية إلى تثبيت سيادتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، تنظر «طهران» إلى «حزب الله» باعتباره جزءاً من منظومة الردع الإقليمية التي لا يمكن التفريط بها في هذه المرحلة.

وأشار «حجازي» إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في تعدد مسارات التفاوض، وإنما في غياب الثقة بين أطرافها، واختتم حديثه بالتأكيد على أن لبنان يقف اليوم بين رؤيتين متعارضتين؛ الأولى تمثل مشروع الدولة اللبنانية الساعية إلى استعادة سيادتها واحتكارها لاستخدام القوة، والثانية تمثل الرؤية الإيرانية التي ترى في «حزب الله» ركيزة أساسية لنفوذها الإقليمي وإحدى أهم أوراقها التفاوضية، وأشار إلى أن تجاوز هذه الأزمة لن يكون ممكناً بالآليات التقليدية، وإنما يتطلب مقاربة إقليمية جديدة تقوم على بناء منظومة حقيقية للتعاون والأمن الإقليمي، مشدداً على أن مصر ينبغي أن تكون لاعباً رئيسياً في صياغة هذه الرؤية، وألا تكتفي بدور المتابع، في ظل ما يشهده الشرق الأوسط من إعادة رسم للتوازنات ومراكز النفوذ.

مصر.. الضامن للاستقرار اللبناني

وانتقل مدير الندوة إلى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني محمد سعيد الرز، متسائلاً: هل يمثل الاهتمام الدولي بأزمة لبنان فرصة حقيقية لإنهاء الأزمة اللبنانية، أم أن اللبنانيين يطاردون سراباً جديداً من الوعود الخارجية؟

«الرز»: إدراج ملف لبنان ضمن المفاوضات الدولية يحوله لورقة تفاوض بين القوى الكبرى

واستهل محمد سعيد الرز حديثه بالتأكيد على أن حالة الحيرة التي يعيشها لبنان اليوم ليست استثناءً، بل هي انعكاس لحالة أوسع يعيشها العالم العربي في ظل غياب مشروع عربي جامع، قائلاً: «لبنان حائر، لكن العالم العربي أيضاً يعيش حالة من الحيرة، بعدما غاب المشروع العربي والقومي القادر على حماية مصالح الأمة وصياغة مستقبلها.

وقال «الرز» إن اللبنانيين تعلموا، عبر عقود طويلة من الأزمات، أن استقرار البلاد يقوم على الشراكة الوطنية، مضيفاً: «كان اللبنانيون يقولون دائماً إن ضمانة المسلم اللبناني هي أخوه المسيحي، وضمانة المسيحي هي أخوه المسلم، وهذه ليست مجرد عبارة سياسية، بل خلاصة تجربة وطنية طويلة».

ورأى المحلل اللبناني أن بلاده ظلت، عبر تاريخها الحديث، ساحة اختبار لمشروعات إقليمية ودولية متعددة، موضحاً أن القوى الخارجية كثيراً ما تعاملت معها باعتبارها نموذجاً يمكن تعميم نتائجه على المنطقة بأسرها. وقال إن أي محاولة لتقسيم لبنان أو إشعال الحرب الأهلية فيه كانت تُنظر إليها باعتبارها مدخلاً لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، وهو ما جعل استقرار لبنان يتجاوز كونه شأناً داخلياً ليصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.

وأشاد بالمواقف المصرية الداعمة للبنان في مختلف الأزمات، مؤكداً أن القاهرة كانت دائماً في مقدمة الدول التي سارعت إلى تقديم الدعم الإنساني والسياسي. مشيراً بصورة خاصة إلى المساعدات المصرية التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020.

وحذر «الرز» من ربط مستقبل لبنان بالكامل بالتفاهمات الأمريكية - الإيرانية، معتبراً أن إدراج الملف اللبناني ضمن المفاوضات الدولية قد يؤدي إلى تحويله إلى مجرد ورقة تفاوض بين القوى الكبرى. مؤكداً أن الحل الحقيقي يجب أن ينطلق من الداخل اللبناني، في إطار دعم عربي صادق، يحترم سيادة الدولة اللبنانية، ويقوم على التوافق الوطني، وليس على فرض الإملاءات الخارجية.

وأشار إلى أن المبادرة التي طرحتها مصر مؤخراً، والقائمة على التوافق الوطني اللبناني، ووضع استراتيجية وطنية للدفاع تتيح دمج القدرات العسكرية كافة تحت مظلة الدولة، تمثل أحد أكثر المقترحات واقعية لمعالجة أزمة السلاح خارج مؤسسات الدولة.

الطائفة ما زالت تتقدم على الدولة

ثم توجّه مدير الندوة بسؤاله إلى الدكتورة سماء سليمان، عضو مجلس الشيوخ السابق وأستاذ العلوم السياسية، متسائلاً: هل يمكن أن تقدم طهران تنازلات في الملف اللبناني مقابل مكاسب استراتيجية في مضيق هرمز؟

«سماء»: أي مقاربة ناجحة لحل الأزمة يجب أن تبدأ باستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب

وأكدت د. سماء سليمان، في مستهل حديثها، أن عنوان الندوة يعبر بدقة عن الواقع اللبناني، موضحة أن لبنان ظل، منذ نشأته الحديثة، يعيش حالة من الحيرة بين مشروع بناء الدولة الوطنية، وبين تنازع عدد من المشروعات الإقليمية والدولية على أرضه. وقالت إن لبنان لم يكن يوماً بمعزل عن التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط، بل كان في كثير من الأحيان ساحة تتقاطع عندها مشروعات متعارضة، بدءاً من المشروع العربي، مروراً بالمشروع الإيراني، ووصولاً إلى المشروعين التركي والإسرائيلي، مشيرة إلى أن حضور كل مشروع كان يرتبط بطبيعة المرحلة التاريخية وتوازنات النظامين الإقليمي والدولي.

وأضافت أن المشروع العربي، على سبيل المثال، بلغ ذروة تأثيره خلال الحقبة الناصرية، عندما ارتبط بفكرة بناء الدولة الوطنية العربية المستقلة، قبل أن يتراجع لاحقاً، لتفسح الساحة المجال أمام مشروعات إقليمية أخرى سعت إلى توسيع نفوذها داخل لبنان. مؤكدة أن قراءة الأزمة اللبنانية الراهنة لا يمكن أن تنفصل عن جذورها التاريخية، معتبرة أن الإشكالية الأساسية التي واجهت لبنان منذ استقلاله تمثلت في صعوبة بناء دولة وطنية قادرة على استيعاب التنوع الطائفي والسياسي، واحتكار استخدام القوة، وترسيخ مفهوم المواطنة فوق الانتماءات الفرعية.

وأشارت إلى أن أي مقاربة ناجحة لحل الأزمة يجب أن تبدأ أولاً باستكمال الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل على الحدود، بدعم عربي ودولي، بحيث تتحول القضية من ملف تجاذب إقليمي إلى قضية سيادة وطنية لبنانية. ورأت أن إعادة إعمار الجنوب اللبناني يجب ألا تقتصر على تعويض آثار الحرب، وإنما ينبغي أن تتحول إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، يعزز اندماج جميع مكونات المجتمع اللبناني.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن المخرج الحقيقي للأزمة اللبنانية لا يكمن في صفقات إقليمية مؤقتة، وإنما في استعادة مشروع الدولة الوطنية، وإعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها هي الأساس الذي تُبنى عليه أي تسوية سياسية، بدعم عربي.

لبنان ليس ورقة تفاوض

وتوجّه الدكتور أحمد الشحات بسؤاله إلى الدكتورة منى وهبة، أستاذ الاقتصاد الدولي والوزير التجاري المفوض السابق بالسفارة المصرية في لبنان، قائلاً: هل تتبع مصر ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الهادئة في لبنان؟ وهل يمتلك لبنان فرصة حقيقية لتجاوز أزمته؟

«منى»: إنقاذه يتطلب حلولاً غير تقليدية

بدأت د. منى وهبة حديثها بالإشارة إلى أن الأزمة اللبنانية بلغت مستوى غير مسبوق من التعقيد، مؤكدة أن سنوات عملها في لبنان جعلتها تكتشف حجم التقدير الذي يكنه اللبنانيون لمصر، وقالت: «لم أجد شعباً يحمل هذا القدر من المحبة الصادقة لمصر مثل الشعب اللبناني، وهي محبة لمستها طوال اثني عشر عاماً من العمل والإقامة هناك». مضيفة أن مصر تختلف عن كثير من القوى المنخرطة في الملف اللبناني؛ فهي لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية من دعمها للبنان، وإنما تنطلق من قناعة راسخة بأن استقرار لبنان يمثل جزءاً من استقرار المشرق العربي، وأن الحفاظ على الدولة الوطنية اللبنانية يصب في مصلحة الأمن القومي العربي بأسره.

وترى د. منى وهبة أن أي مبادرة لإنقاذ لبنان لن تحقق أهدافها ما لم تنطلق من فهم عميق لخصوصية المجتمع اللبناني، محذرة من إسقاط نماذج جاهزة أو مقاربات مستوردة على الواقع اللبناني. وقالت إن من أكبر الأخطاء النظر إلى لبنان بعين التجربة المصرية، موضحة أن لكل دولة خصوصيتها التاريخية والاجتماعية، وأن المجتمع اللبناني يتميز بتركيبة سياسية وطائفية معقدة لا تشبه أي دولة عربية أخرى. مضيفة أن اللبنانيين يجمعهم حلم بناء الدولة، لكن تصور كل مكون لمفهوم الدولة يختلف عن الآخر، الأمر الذي يفرض على أي وسيط أو شريك خارجي أن يدرك هذه الخصوصية، وأن يتعامل معها باعتبارها نقطة انطلاق، لا عقبة يجب تجاوزها.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن لبنان يمر بأزمة استثنائية، ومن ثم فإن إنقاذه يتطلب حلولاً غير تقليدية، تنطلق من فهم واقعه الداخلي، وتحظى بدعم عربي ودولي، وتضع مصلحة الدولة اللبنانية فوق أي اعتبارات أو صراعات إقليمية.

أزمة ثقة أم أزمة طوائف

وواصل د. أحمد الشحات إدارة الحوار، متوجهاً إلى رجل الأعمال اللبناني شارل الخوري، بسؤاله: هل يمكن أن يؤدي مسار التسويات الحالية إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية في جنوب لبنان، بحيث تصبح أكثر تنوعاً من الناحية الطائفية؟

«الخوري»: قيام دولة قوية يتطلب إصلاحاً سياسياً عميقاً

قال «الخوري» إن اللبنانيين أمضوا ما يقرب من نصف قرن بين الحروب والأزمات السياسية والانهيارات الاقتصادية، حتى أصبحت الأزمات جزءاً من المشهد اليومي، بينما بقيت الأسباب البنيوية للأزمة دون معالجة حقيقية. مؤكداً أن توصيف الأزمة اللبنانية باعتبارها مجرد أزمة طائفية لا يعكس حقيقة الواقع، وأن المجتمع اللبناني، في مجمله، لا يعيش حالة من التطرف الطائفي كما قد يتصور البعض، وإنما تكمن المشكلة الأساسية في الإقطاع السياسي والطائفي الذي احتكر تمثيل الطوائف، وحوّل الانتماءات الدينية إلى أدوات للنفوذ السياسي والاقتصادي.

وقال إن الزعامات التقليدية هي التي كرّست الانقسام، واستثمرت في مخاوف المواطنين، وربطت مصالحهم ببقائها في السلطة، حتى أصبح المواطن اللبناني، في كثير من الأحيان، يشعر بأن مستقبله مرتبط بزعيم طائفته أكثر من ارتباطه بالدولة نفسها.

وأشار إلى أن ضعف مؤسسات الدولة لم يعد مجرد نتيجة للأزمة، بل أصبح أحد أهم أسباب استمرارها، لأن غياب المؤسسات القوية يسمح باستمرار منظومة المحاصصة والإقطاع السياسي، ويمنع نشوء نظام سياسي حديث قائم على الكفاءة والمواطنة. وأضاف أن لبنان يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته على أسس مختلفة تماماً، بحيث تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين، بعيداً عن أي ولاءات موازية.

وأكد رجل الأعمال اللبناني أن أي حديث عن التعافي الاقتصادي أو جذب الاستثمارات أو إعادة الإعمار سيظل ناقصاً ما لم يسبقه تحقيق سلام داخلي مستدام، يقوم على المصالحة الوطنية، وأضاف أن قيام دولة قوية يتطلب إصلاحاً سياسياً عميقاً، يحد من هيمنة الزعامات التقليدية، ويعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة، لأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم في ظل استمرار منظومة الإقطاع السياسي.

مستقبل لبنان

وقد أكد الكاتب الصحفي محمد صلاح الزهار، مستشار المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، أن الشعب اللبناني يمتلك من الوعي والخبرة التاريخية والقدرة على التعايش ما يؤهله لتجاوز أزماته، والأزمة اللبنانية لم تعد شأناً داخلياً، وإنما أصبحت جزءاً من شبكة تفاوض إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وهو ما يجعل أي قراءة لمستقبل لبنان مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

«الزهار»: إيران لن تفرط في ورقتي «هرمز وحزب الله»

وأوضح أن إيران تتمسك اليوم بأهم أوراق قوتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وحزب الله، مشيراً إلى أن طهران تدرك أن واشنطن تسعى إلى تحجيم هاتين الورقتين أو انتزاعهما في إطار أي تسوية مستقبلية.

ويرى «الزهار» أن تعثر المفاوضات الأمريكية - الإيرانية ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اللبنانية، لأن غياب الثقة بين الطرفين يدفع كلاً منهما إلى الاحتفاظ بأوراق الضغط التي يمتلكها، وهو ما يطيل أمد الأزمة اللبنانية. وأضاف أن نجاح هذا المسار يستوجب دوراً فاعلاً للقوى الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان، من أجل دعم أي مسار تفاوضي يحقق استقراراً حقيقياً في المنطقة، ويمنع تحولها إلى ساحة صراع دائم بين القوى الكبرى.

«عمر»: الحرب أحدثت تحولاً في موازين القوى.. و«حزب الله» تعرض لانتكاسة عسكرية

وفي مداخلة خلال الندوة، أكد الكاتب إيهاب عمر، الصحفي بالأهرام والخبير بالمنتدى الاستراتيجي، أن الطائفية ليست أصل الأزمة اللبنانية، وإنما أصبحت غطاءً تستخدمه شبكات المصالح السياسية والاقتصادية للحفاظ على نفوذها، مشيراً إلى أن الإقطاع السياسي هو الذي يوظف الانقسامات الطائفية ويغذيها كلما اقتضت مصالحه ذلك.

ورأى أن اللبنانيين أثبتوا، في أكثر من محطة تاريخية، قدرتهم على إنتاج صيغ ناجحة للتعايش وبناء الدولة عندما تُرفع عنهم الضغوط الخارجية، وأضاف أن استمرار النفوذ الإيراني داخل لبنان يمثل اليوم أحد أبرز العوامل التي تعقد المشهد السياسي، وأن إنهاء أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية من شأنه أن يفتح المجال أمام اللبنانيين لإعادة بناء توافقاتهم الداخلية، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية.

وتطرق إيهاب عمر إلى الاتفاقات السياسية المطروحة، معتبراً أن اتفاق واشنطن يمثل محاولة تستحق الدراسة، وأن الحرب الأخيرة أحدثت تحولاً كبيراً في موازين القوى داخل لبنان، معتبراً أن حزب الله تعرض لانتكاسة عسكرية واضحة، في ظل التقدم الإسرائيلي داخل مناطق جنوب لبنان، وهو ما يفرض البحث عن ترتيبات جديدة تعزز دور الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الشرعية المنوط بها حماية الأراضي اللبنانية وبسط سيادة الدولة.

«نافع»: مصر قدمت رؤية متكاملة لحل الأزمة والحفاظ على وحدة لبنان ومؤسساتها

فيما أكد الكاتب الصحفي إيهاب نافع، نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية وخبير العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجي، أن الأزمة اللبنانية باتت مرتبطة بصورة وثيقة بالتوازنات الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن الاتفاق الإطاري الجاري بين الولايات المتحدة وإيران تعامل مع لبنان باعتباره أحد الملفات الفرعية المرتبطة بالمواجهة الأكبر بين الطرفين، وليس باعتباره قضية مستقلة تستحق معالجة خاصة. وقال إن هذا الواقع يجعل مستقبل الدولة اللبنانية رهيناً بما ستسفر عنه المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، ومدى استعداد الطرفين للانتقال من إدارة الصراع إلى بناء تفاهمات أكثر استقراراً، تنعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية.

وأشار إلى أن مصر كانت من أوائل الدول التي قدمت رؤية متكاملة لمعالجة الأزمة اللبنانية، استندت إلى الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، مع التحذير من أن أي خطوات متسرعة أو ترتيبات لا تراعي التوازنات الداخلية قد يصعب التراجع عنها مستقبلاً، وتؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.

12


مواضيع متعلقة