إيهاب البدوي يكتب : محاسيب السيدة نفيسة

كتب: إيهاب البدوى

إيهاب البدوي يكتب : محاسيب السيدة نفيسة

إيهاب البدوي يكتب : محاسيب السيدة نفيسة

السيدة نفيسة هى مقر الزيارة الدائم والعشق الذى لا ينتهى، زرتها فى كل الأوقات والفصول، لكننى أعشق الشتاء وحريص على أداء صلاة الجمعة هناك.جلوسى داخل المقام فى الزاوية اليسرى يعطينى فرصة لتأمل وجوه الناس وحركاتهم ونظراتهم.هناك أشخاص بعينهم أفتقدهم إذا غابوا، على رأسهم الحاج حسن كولونيا.رواد المقام يتفننون فى الاحتفال والعناية به، أحدهم يمسح خشب المقام بدهن العود، وثانٍ يضع النعناع الأخضر فى خشب المقام، والحاج حسن كولونيا ينفرد بزجاجة كولونيا خمس خمسات يرش منها على الضريح وزواره.وقتها كانت شركة الشبراويشى لم تصل إلى اختراع البخاخ فكان الحاج حسن يخرم الغطاء البلاستيكى لزجاجة الكولونيا ويرش منها على المحبين.الرجل كان فى الستين من عمره تقريباً، لا يرتدى إلا البدلة السفارى والطاقية الشبيكة البيضاء، وأداؤه الحركى به مبالغة وعصبية تظهر حتى من طريقة مشيته على كعوبه التى يدق بها الأرض.بعد أن تنتهى الزجاجة يصدح بصوته:«صلوا على رسول الله واقرأوا الفاتحة للشريفة العفيفة الحسيبة النسيبة نفيسة العلوم، مدد يا ست بلغى سلامنا لجدك النبى يا ست، بنحبك وآل بيت النبى يا ست».عندما يرانى يمد يده فى جيبه ويُخرج «سكر النبات»، يعطينى واحدة وهو يقول: «حلاوة قبول الست».ثم يخرج يوزع سكر النبات على رواد المقام.بعدها يجلس خارج المقصورة وينضم إلى ورد الطريقة الأحمدية التى تقرأ سورة يس فى الساحة الخلفية للمقام، تتبعه أناشيد فى عشق الرسول الكريم وآل بيته.من تكرار اللقاء العابر أصبحنا شبه أصدقاء. كنت أخرج إلى قهوة سعيد بعد صلاة العصر، وما إن يرانى حتى يجهز موقعى الخاص فوق سطح المقهى، ويرسل لإحضار رغيفين كبدة ومخ من عند أبوعمرو، ثم الشاى أبونعناع، ويختمها برص حجر السلوم. فى هذا التوقيت كان الحاج حسن كولونيا يصعد إلى سطح المقهى ويجلس فى الطاولة المقابلة لى وينظر إلى المقام ويوجه كلامه لى:- شايف ستنا منورة الدنيا ازاى؟- طبعاً يا عم حسن.. إحنا عايشين ببركتها.يرد بحماس: انت ما تعرفش ستنا عملت معايا إيه!!سألته: عملت إيه؟قال لى: أنا كنت سواق نقل عام وعملت حادثة وقعدت مش شايف 3 شهور.- رُحت لدكاترة؟- لفيت على كبار الحكماء ومحدش طببنى.- ليه يا عم حسن؟- قالولى أبصر إيه ضاغط على مش عارف إيه، ومع العلاج هتخف بس أنا ماخفّيتش.- وبعدين؟- قلت للعيال خدونى عند ستنا وسيبونى. العيال مرضيوش، بس أنا زعقت فيهم وقلت خلونى لوحدى مع ستنا الشريفة العفيفة، وقعدت معاها من بعد العشاء للفجر أصلى وأدعى ربنا. خدنى النوم ساعة، لقيت ستنا بتحط فى حنكى سكر نبات وبتغسل عينى بكولونيا، وقالت لى تيجيلى كل أسبوع تحلِّى بُق الحبايب وتعطرهم. قمت من النوم وانا شايف.. رجعت لعيالى ومراتى.. الولية زغرطت فى الفجر، ومن يومها بقالى ١٠ سنين مافوتش جمعة إلا وأنا بوفى ندر ستنا. عمركش شُفت جمال كده يا أستاذ؟قلت له: الصراحة لأ يا عم حسن.بالمناسبة مقام السيدة نفيسة من المقامات التى تعلَّق بها قلب المصريين.كانت نفيسة العلوم حفيدة رسول الله تعيش فى مصر حتى توفيت وقرر زوجها إسحاق المؤتمن نقل جثمانها إلى البقيع فى المدينة المنورة، لكن أهل مصر خرجوا يبكون ويرجون إسحاق المؤتمن أن تُدفن نفيسة العلوم فى مصر، وهو يرفض.وفى الليل، وقبل أن يشد الرحال إلى المدينة، شاهد الرسول الكريم فى المنام يقول له: اترك نفيسة لأهل مصر يا إسحاق، فإنهم يحبونها وتحبهم.وقام إسحاق من النوم وقرر أن تُدفن نفيسة العلوم فى مصر تنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم.نعم يا رسول الله، إننا نحبها ونحبك ونحب آل بيتك الكرام.سلاماً معطراً بالفل والياسمين والنعناع الأخضر يا ستنا حتى نلتقى قريباً.


مواضيع متعلقة