الجيش اللبناني يغير «قواعد اللعبة» في الجنوب بنزع أسلحة «حزب الله» وتفكيك مواقعه
الجيش اللبناني يغير «قواعد اللعبة» في الجنوب بنزع أسلحة «حزب الله» وتفكيك مواقعه
فى لبنان تتسارع الأحداث العسكرية والسياسية فى جنوب البلاد مع تقدم الجيش اللبنانى فى تنفيذ اتفاقية وقف إطلاق النار، التى تم التوصل إليها تحت إشراف الولايات المتحدة بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلى، وعلى الرغم من أن هذه الجهود كانت شبه مستحيلة قبل عام فقط، إلا أن القوات اللبنانية أصبحت الآن تُنفذ خطة شاملة لنزع أسلحة حزب الله وتفكيك مواقعه، ما يشير إلى تحول ملحوظ فى توازن القوى بالمنطقة.
وفى الوقت الذى يواجه فيه لبنان تحديات اقتصادية ضخمة، من أزمة خانقة على مستوى البلاد، إلى استجابة عسكرية تهدف لتفكيك نفوذ الجماعات المسلحة، يبرز تساؤل كبير حول كيفية المضى قُدماً فى السيطرة على الأوضاع المعقدة على خط المواجهة فى الجنوب، وخصوصاً فى ظل الضغوط المستمرة من جميع الأطراف الدولية والمحلية؟
«واشنطن بوست»: نشر 1500 جندى إضافى قرب الحدود مع إسرائيل ليصل العدد الإجمالى إلى 6000 جندى مع استمرار تجنيد 4000 آخرين حتى الآن
ووفق تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» فقد قام الجيش اللبنانى بتعزيز انتشار قواته فى جنوب البلاد خلال الأشهر الماضية، بعد مصادرة أسلحة تابعة لحزب الله، الذى قام بتفكيك عدة مواقع له بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذى توسطت فيه الولايات المتحدة بين الجماعة اللبنانية وحكومة إسرائيل، وفقاً لعدة مقابلات مع رئيس وزراء لبنان، نواف سلام ومسئولين عسكريين ودبلوماسيين لبنانيين.
وبحسب الصحيفة الأمريكية فقد تم، حتى الآن، نشر 1500 جندى إضافى من الجيش اللبنانى فى جنوب البلاد، قرب الحدود مع إسرائيل، ليصل العدد الإجمالى إلى 6000 جندى، مع استمرار تجنيد 4000 آخرين، كما استأنف الجيش اللبنانى رحلات الاستطلاع، وأقام نقاط تفتيش، وبدأ فى مهام تأمين المدن الجنوبية بعد انسحاب جنود الاحتلال الإسرائيلى من المواقع التى استولوا عليها خلال المواجهات الأخيرة.
ومن جانبه قال رئيس الوزراء اللبنانى، نواف سلام، فى مقابلة مع «واشنطن بوست»، إن «الجيش يحقق تقدماً كبيراً، إنه يوسع ويعزز وجوده فى الجنوب»، وأشارت الصحيفة إلى أن مثل هذه الجهود كانت غير قابلة للتخيل قبل عام فقط، حين كان حسن نصر الله، زعيم حزب الله، الذى قُتل فى ضربة إسرائيلية على بيروت فى سبتمبر الماضى، يتمسك بعدم التخلى عن سلاح الحزب، المدعوم من إيران، كما كان يصر على عدم إخلاء المواقع التى ينتشر فيها عناصر الحزب على طول خط المواجهة فى الجنوب اللبنانى.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يعمل الجيش اللبنانى على نشر 10 آلاف جندى تدريجياً، للبدء فى عملية مصادرة أسلحة حزب الله، وتفكيك مواقعه فى جنوب لبنان، ويجرى تنفيذ هذا الاتفاق تحت إشراف لجنة تضم عدداً من المسئولين الأمريكيين، وقال مصدر دبلوماسى، طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، إن اللجنة تتلقى إحداثيات مستودعات الأسلحة ومنصات الصواريخ من الإسرائيليين أو قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ثم يتعين على الجيش اللبنانى اتخاذ الإجراءات اللازمة، وأشار الدبلوماسى إلى أن القوات المسلحة اللبنانية قد قامت حتى الآن، بتفكيك أكثر من 500 موقع عسكرى تديره جماعة حزب الله أو جماعات أخرى.
ومع ذلك كان وقف إطلاق النار هشاً منذ بدايته، على الرغم من الموعد النهائى فى منتصف فبراير الماضى، لانسحاب القوات الإسرائيلية، إلا أنها لا تزال موجودة فى خمسة مواقع استراتيجية فى جنوب لبنان بالقرب من الحدود، كما تواصل تنفيذ ضربات جوية ضد حزب الله، وفى أواخر مارس الماضى شنّت إسرائيل غارات جوية فى الجنوب، ثم فى ضواحى بيروت، بعد إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وبينما نفى حزب الله مسئوليته عن تلك الهجمات، إلا أن تكرار الهجمات المتبادلة أظهر مدى هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار.
وفى تصعيد واضح من جانب الاحتلال الإسرائيلى، توعَّد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو بـ«شن هجمات فى أى مكان من الدولة اللبنانية، ضد أى تهديد لدولة إسرائيل»، حسب زعمه، فيما رد نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، بقوله إنه «إذا لم تمنع الدولة اللبنانية الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، فإن حزب الله سيأخذ زمام الأمور بيده».
ونقلت «واشنطن بوست» عن فيليبو ديونيجى، أستاذ فى جامعة «بريستول»، ومؤلف كتاب «حزب الله.. السياسة الإسلامية والمجتمع الدولى»، قوله إن استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية سيزيد من تأجيج قاعدة دعم حزب الله، ويقلل من دور الجيش اللبنانى، وأضاف: «إذا تصاعد الوضع أكثر فإن قدرة الحكومة المحدودة أصلاً قد تُقوَّض بالكامل».
وفى الأسابيع الأخيرة تزايدت الدعوات للجيش اللبنانى لتفكيك أسلحة حزب الله فى جميع أنحاء البلاد، وليس فقط فى جنوب نهر الليطانى بالقرب من الحدود مع إسرائيل، وفى زيارة له فى أوائل أبريل الجارى حث نائب المبعوث الأمريكى الخاص إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتيجوس، المسئولين الحكوميين على ممارسة السيطرة الكاملة على البلاد، فيما أكد رئيس الوزراء اللبنانى أن بلاده تعمل لضمان حق الدولة فى احتكار حمل الأسلحة شمال وجنوب نهر الليطانى.
ورغم التقدم الذى يحرزه الجيش اللبنانى فى مناطق الجنوب، فإنه سيواجه تحديات كبيرة فى نزع سلاح حزب الله فى باقى أنحاء البلاد، حيث يعانى الجيش من ضغط كبير، حيث كان قد سعى فى الأشهر الماضية لتعزيز مواقعه على الحدود مع سوريا، فى ظل الاشتباكات المتفرقة بين المهربين والحكومة السورية الجديدة، كما أن الجيش، مثل معظم لبنان، يعانى أيضاً من الأزمة الاقتصادية المستمرة فى البلاد، التى دخلت عامها السادس، ويعتمد على المساعدات الأجنبية لتمويل كل متطلباته، بدءاً من رواتب الجنود، وصولاً إلى الوقود والطعام، ومنذ عام 2006، تلقَّى الجيش اللبنانى أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات من الحكومة الأمريكية، وقال «سلام» إن حكومته بصدد مناقشة زيادة الرواتب للجنود فى ميزانية العام المقبل.
وأشارت الصحيفة إلى أنه غالباً ما يعمل الجنود فى وظائف إضافية لتلبية احتياجاتهم المالية، ونقلت عن أحد الجنود، يُدعى «محمد»، البالغ من العمر 36 عاماً، قوله إنه يعمل ثلاثة أيام فى الأسبوع فى «سوبر ماركت» لتعبئة الأكياس ووضع السلع على الأرفف لدعم عائلته، وأضاف أنه يحصل على 300 دولار شهرياً فقط من الجيش، وأنه بالكاد يستطيع إعالة طفليه، وتابع: «تحتاج إلى حوالى 30 دولاراً يومياً للطعام دون حساب المصاريف الأخرى مثل الوقود ورسوم مولدات الكهرباء التى تصل إلى حوالى 150 دولاراً شهرياً، لا يمكننا العيش فى الظلام».
أما إدوارد جابرييل، دبلوماسى أمريكى سابق ورئيس «مجموعة العمل الأمريكية من أجل لبنان» غير الحكومية، فقال فى مقابلة إنه يجب على الجيش اللبنانى الحصول على المزيد من التدريب والموارد لنزع سلاح حزب الله، وحث الولايات المتحدة على تقديم الدعم.
وبالنسبة للوضع النهائى لأسلحة ومقاتلى حزب الله، قال الرئيس اللبنانى، جوزيف عون، إن المسار المحتمل سيكون دمج بعض مقاتلى الحزب فى الجيش، كما حدث مع الميليشيات بعد الحرب الأهلية اللبنانية، لكن «ديونيجى» قال إن هذا قد يكون أمراً صعباً، حيث يثير قضايا تتعلق بسلسلة القيادة داخل الجيش، فضلاً عن استعداد حزب الله للمشاركة فى هذه العملية، فحزب الله كان قوة شبه عسكرية مستقلة، منذ أن حمل السلاح لأول مرة قبل أربعة عقود.
ورغم إطلاق الصواريخ المتفرقة، يمتلك الجيش درجة أكبر من السيطرة، مقارنة بما كان عليه قبل حرب إسرائيل مع حزب الله، حيث كانت الانتهاكات، التى كانت تقاريرها تصل من قوات حفظ السلام الدولية يتم تجاهلها، أما الآن فقد أصبحت الحكومة ملتزمة باتخاذ إجراءات، حسبما قال أحد الدبلوماسيين، بينما أكد دبلوماسى آخر أن الجيش اللبنانى يقوم بأفضل ما يمكنه، وأن المفتاح لمنع إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، سيكون الانسحاب الإسرائيلى الكامل، وترسيم الحدود البرية بين البلدين.