حسن أبوطالب حسن أبوطالب أردوغان وصدمة الثورة المصرية.. زعامة فى مهب الريح
الأربعاء 21-08-2013 | PM 10:29

تصريحات أردوغان نوع من الحماقة، هكذا كان تعليق د.حسام عيسى، على آخر تصريحات رئيس الوزراء التركى، رجب طيب أردوغان، الاستفزازية، التى زعم فيها أن إسرائيل والجيش المصرى مسئولان عن عزل مرسى. والحق أن الموقف التركى أكبر كثيرا من مجرد حماقة عابرة. فقد مثّل سقوط حركة الإخوان المسلمين كحركة حاكمة فى مصر بعد عام واحد فقط صدمة كبرى للدولة التركية ولرئيس الوزراء شخصيا، ومتصور أن الخروج من هذه الصدمة يبدأ بتشويه ثورة الشعب المصرى والإصرار على أنها انقلاب عسكرى، مرورا بتعبئة الرفض الدولى، والتنسيق الشامل مع التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين ودولة قطر من أجل شن حرب إرهابية ضد مصر وشعبها وحكومتها وجيشها بهدف إما إسقاط النظام المصرى الجديد عبر إغراقه فى حالة فوضى أمنية واقتصادية شاملة، وإما إنهاكه إلى الدرجة التى يقبل بها التفاوض مع جماعة الإخوان المصرية للعودة مرة أخرى إلى المشهد السياسى المصرى والتجاوز عن الجرائم التى ارتكبتها فى حق المصريين جميعا. هذا الموقف الأردوغانى يعبر عن صدمة من نوع خاص، يتشابك فيها البعد الشخصى مع البعدين السياسى والاستراتيجى. كما يجسد نوعا من خيبة الأمل وتخوفات كبرى من تأثيرات سلبية مباشرة لنجاح الثورة المصرية على الداخل التركى نفسه، وإجمالا على فكرة النموذج التركى الذى مثّل أساس الدور الإقليمى لتركيا طوال العقد المنصرم، ووفر لتركيا الكثير من الامتيازات الدعائية والسياسية، والتى بدورها تعد الآن معرضة للتآكل والتراجع. إذن ما الذى يدفع تركيا أردوغان لكى تنتصر لجماعة لم تكن مؤهلة أصلا لحكم بلد كبير كمصر، وكل ما فعلته هو أنها سرقت ثورة شعب لم تشارك فيها أصلا؟ وما الذى يجعل أردوغان وحكومته وحزبه فى مثل هذه الحالة من التشنج والعصبية والقلق كلما تأكد نجاح ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو، وكلما استمرت حالة الانسجام الكبيرة والتلاحم بين الشعب المصرى والمؤسسات والحكومة فى مواجهة كل التحركات والضغوط الخارجية؟ ويمكن الإجابة عن هذين التساؤلين المحوريين على النحو التالى: ■ تآكل النموذج التركى إقليميا: قام النموذج التركى استنادا إلى مقولة أساسية وهى أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية قادرة على بناء أنظمة ديمقراطية منفتحة داخليا وخارجيا، وقادرة على تحقيق رخاء اقتصادى لشعوبها، وقادرة على الإسهام فى بناء الاستقرار الإقليمى. أو بعبارة أخرى أنه لا تعارض بين المرجعية الإسلامية والمرجعية الديمقراطية. استطاعت تركيا بالفعل فى السنوات الأولى لحكومات حزب العدالة والتنمية أن تحقق نجاحا ملموسا فى عدد من أبعاد المقولة السابق ذكرها، لا سيما فى المجال الاقتصادى، إذ استطاعت أن تتقدم إلى المستوى الـ17 فى ترتيب الاقتصادات الدولية. وهو ما أضفى نوعا من النجاح الظاهرى على النموذج التركى، لكنه النجاح الذى ما زال قاصرا فى إخفاء جوانب عوار هيكلية كبرى فى الحالة التركية. فما زالت قضية أكراد تركيا معلقة فى الهواء، واحتمالات عودة حزب العمال الكردستانى للأعمال العنيفة قائمة بقوة الآن، بل إن زيادة التوظيف التركى للانقسامات الطائفية فى الحرب السورية قابل للانفجار داخل تركيا نفسها، لا سيما فيما يتعلق بالعلويين الأتراك الذين يشعرون بمرارات شديدة نتيجة القيود عليهم. واستطرادا فإن الأبعاد المتعلقة بالمنظومة الديمقراطية فى الحالة التركية ليست على ما يرام، صحيح هناك انتخابات تركية حرة، لكن الحريات بمعناها العام تعانى الكثير من التراجع، وشعور فئات اجتماعية بالخوف على نمط الحياة التركى المدنى فى ازدياد، ومعاناة العديد من الصحفيين الأتراك فى السجون التركية باتت ملمحا عاديا، وهناك ما يقرب من 83 صحفياً تركياً فى السجون لمعارضتهم سياسات حزب العدالة والتنمية. فضلا عن سجن عدد كبير من قيادات الجيش التركى بحجة الاشتراك فى مؤامرات والتحضير لانقلابات. والدلالة الأبرز للمظاهرات الصاخبة فى ميدان تقسيم وميادين 38 مدينة كبرى فى كل تركيا فى يونيو الماضى على خلفية معارضة مشروع استهدف استعادة تراث الدولة العثمانية فى وسط العاصمة الاقتصادية إسطنبول، أن المعارضة فى تركيا أكثر انتشارا وأكثر ميلا لاستنساخ نماذج التغيير الشعبية التى انتهجتها الشعوب العربية فى كل من تونس ومصر. وفى المقابل فإن طريقة فض مظاهرات ميدان تقسيم بالقوة والعنف تشير إلى قلق متنامٍ لدى أردوغان من انفلات الأوضاع داخليا على النحو الذى سارت عليه مصر وانتهت بالإطاحة الشعبية لحكم الإخوان المسلمين. ■ سقوط مشروع الشرق أوسط الإسلامى: تآكل النموذج التركى على النحو السابق ذكره يتكامل مع البعد الإقليمى الذى يعمل عليه أردوغان وقوامه تشكيل نظام شرق أوسط إسلامى تلعب فيه تركيا دور القيادة العليا. والحقيقة الكبرى هنا أن هذا المشروع التركى الغربى لا مجال لنجاحه دون مشاركة فعالة من مصر. ولم يكن الأمر متاحا أثناء حكم الرئيس الأسبق مبارك والذى تفاعل مع تركيا لسنوات طويلة من منطلق التعاون الشامل والندية وتقاسم الأدوار والتفاعل الإيجابى وفقا لمبدأ الأخذ والعطاء، وهى الصيغة التى لم تكن توفر لتركيا أردوغان مساحة للتأثير والتحرك الحر والقيادة المنفردة إقليميا. وحين جاء حكم جماعة الإخوان المسلمين توفرت لتركيا الفرصة التاريخية لتشكيل شرق أوسط إسلامى يستعيد تراث الهيمنة العثمانية على المشرق العربى ويؤكد للغرب أن تركيا هى القائد الإقليمى بلا منازع. تمثلت هذه الفرصة التاريخية فى قبول جماعة الإخوان دور التابع لتركيا، والتنازل عن تراث مصر فى القيادة الإقليمية، وإفساح المجال بلا قيود أمام شراكات اقتصادية وسياسية واستراتيجية متعددة المستويات مع الجماعة ورموزها تكون فيها اليد التركية هى الأعلى والموجه. ومن ثم جاء سقوط حكم الإخوان ليجعل من المستحيل تشكيل الشرق أوسط الإسلامى بزعامة تركية وتبعية مصرية. تراجع زعامة أردوغان: المعروف أن أردوغان بنى زعامته الشخصية باعتباره القائد الملهم للإقليم ككل عربا ومسلمين، وأنه صاحب النموذج الفريد الجامع بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية الغربية، والزعيم المُناصر للضعفاء والقادر على مواجهة غطرسة إسرائيل، والساعى إلى دعم حركات التحرر الوطنى الفلسطينية وصولا لإقامة الدولة الفلسطينية، وفى الآن نفسه القادر على مخاطبة الغرب والتماهى مع مصالحه. ساعد على تمرير هذا النموذج لزعامة أردوغان لبعض الوقت وجود ما يمكن وصفه بطابور خامس من المثقفين والإعلاميين والصحفيين العرب وعدد من مراكز البحوث المصرية والعربية الذين انبهروا بالرجل وتحركاته وتصريحاته النارية، وقاموا بدور وكيل التسويق لزعامة أردوغان فى بلدانهم، وكثير من هؤلاء قاموا بهذا الفعل بإرادتهم الكاملة ونكاية فى مصر تحديدا. حتى إن كثيرا من الإعلاميين العرب والمصريين اعتبروا أن أردوغان هو بمثابة «الزعيم العربى» الذى يمكن التعويل عليه لاستعادة مجد الأمة العربية والإسلامية. لكن ثورة 30 يونيو المصرية ضربت فى مقتل الطموح الشخصى لأردوغان وقلصت تضخم الزعامة لديه، مثلما ضربت أيضاً طموح الدولة التركية لقيادة منطقة الشرق الأوسط الإسلامية. لم يعد أردوغان الزعيم الإقليمى ذا المكانة والقبول فى مصر ولا فى بلدان عربية عدة. والمصالح التركية نفسها باتت معرضة للتراجع. لقد أعادت ثورة 30 يونيو الاعتبار مرة أخرى للدولة المصرية ورموزها السياسية والعسكرية الصاعدة داخليا وإقليميا، وأعادت الاعتبار للدور السعودى الرائد عربيا وإقليميا، وفتحت المجال أمام قيادة عربية جماعية تعنى بشئون الإقليم بعيدا عن الهيمنة التركية المتوهمة، وبديلا عن مشروع الشرق الأوسط الإسلامى. لعل ما سبق يفسر بعض الجنون والحماقة الذى يسير عليه أردوغان الآن فى مواجهة مصر الثورة، ويؤكد ضرورة اليقظة لكل الأفعال الخبيثة التى قد يفعلها أردوغان والتنظيم الدولى للإخوان للإضرار بمصر وشعبها وجيشها، وهو ما يتطلب الرد الحاسم أولا بأول على التحركات العدائية التركية.

تعليقات الفيس بوك

عاجل