سحر الجعارة سحر الجعارة «نادية» صوت المقهورين
الثلاثاء 09-10-2018 | PM 10:10

لم تكن الفتاة الإيزيدية «نادية مراد» إلا صوتاً لكل المقهورين، وصورة حية تجسد عملية التصفية العرقية التى تتعرض لها الطائفة الإيزيدية فى العراق، والاستعباد الجنسى للنساء منهن.. كانت صرخة فى وجه المجتمع الدولى الذى وقف عاجزاً عن ردع «الوحش» الذى ساهمت بعض الدول فى صناعته (داعش) ليلتهم ثروات ليبيا والعراق ويزهق أرواح الشعوب، وينتهك أعراض الصبايا دون أدنى إحساس بالذنب.. بل على العكس كانوا يرفعون راية «الإسلام» ويسوّقون للنخاسة كمن يحيى «سنّة غائبة» فى «دولة الخلافة الإسلامية»!

وحين جاءت «نادية» إلى القاهرة تمنت أن تلتقى شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب»، ويبدو أنه رفض، ففضيلة الإمام رفض تكفير «داعش»، واعترف بالبوذية كديانة إنسانية!

ناشدته «نادية» - عن بُعد - أن يجرد «داعش» من عباءة الإسلام، أو من باب أضعف الإيمان أن يعلن أن الإيزيديات موحدات بالله، وسبيهن حرام، وهتك أعراضهن حرام.. لكن صوتها وصل إلى «مجلس الأمن»، وهى تكشف عورتها وعورات بنات بلدتها، وهى مضطرة لأن تفرق دماء بكارتهن على العالم عله يفيق.. ورغم ذلك لم يصل صوتها لمشيخة الأزهر!

كانت «نادية» تروى قصتها فى القاهرة، دون أن تبكى. لقد فقدت دموعها فى لحظة «الاغتصاب الجماعى» الذى تعرضت له عقاباً على محاولتها الهرب.. كانت شاحبة وكأنها لا تزال تنزف من دماء بكارتها حتى لم يتبقَّ فى عروقها إلا دموع الكبرياء، حتى بعدما فرت إلى ألمانيا وضمدت جراحها. وحين التقت بالرئيس «عبدالفتاح السيسى»، قالت للرئيس: «إذا الإسلام ما يصير ضد داعش، داعش ما راح ينتهى».. وقال الرئيس: «كل الإيزيديات بناتى».

كانت مطالب «نادية» من العالم الدولى محددة: «تحرير أكثر من 300 طفل وامرأة تحت حكم (داعش)، وتعريف الاتجار بالإيزيديات على أنه (إبادة جماعية)، وتحرير قراهم وإعادة توطين الطائفة الإيزيدية، وتعويض الضحايا وتحقيق العدالة»، لكن المجتمع الدولى عجز حتى عن توفير مدافن لشابة تصرخ بدلاً من الدمع: «نريد أن ندفن موتانا»!

العالم الذى أهدى «نادية مراد» جائزة «نوبل»، بعد أن قادت حملة من أجل محاكمة تنظيم داعش الإرهابى على جرائمه فى المحكمة الجنائية الدولية، ونالت العديد من الجوائز، تقديراً لنضالها، منها تتويجها بلقب السفيرة الأولى للأمم المتحدة لضحايا الاتجار بالبشر.. قالت عنها اللجنة المنظمة لجائزة «نوبل» إنها بذلت جهوداً جبارة من أجل وضع حد لاستخدام العنف الجنسى كسلاح فى الحرب، ونال الجائزة معها، أيضاً، الطبيب النسائى فى الكونغو «دينيس موكويجى» للسبب ذاته.

لكن اللجنة ذاتها والأمم المتحدة لم تقل لها كيف تحرر قراها، ولا كيف تدفن موتاهم؟.. فلا الأزهر كفّر «داعش»، ولا العالم بأسره حرر الطائفة الإيزيدية من قبضة «داعش» الوحشية ولا من ممارساته الدموية!

وبعد مرور أربع سنوات على مأساة اختطاف «نادية» من قبَل الدواعش، ناضلت خلالها وكافحت لتصبح «صوت المقهورين» فى العالم.. دوّنت تفاصيل قصتها فى كتاب «الفتاة الأخيرة»، لتوثق كيف صمت المجتمع الدولى بكل مؤسساته عن جرائم ترتكبها داعش «ضد الإنسانية».

وأخيراً، عرفت «نادية» الإحساس بالأمان لأول مرة، وهو ما يتجاوز آلاف المرات كل ما نالته من جوائز.. عرفت الفرق بين «الاغتصاب الهمجى» وضمة رجل تحبه، وتجمعهما قضية واحدة.. واحتفلت «نادية» مراد فى أغسطس الماضى بارتباطها بـ«عابد شمدين»، وهو ناشط أيضاً فى الدفاع عن قضية الإيزيديين، فى ألمانيا حيث تقيم هناك.

وقالت فى تغريدة لها عبر «تويتر» تعليقاً على الارتباط: «لقد جمعنا (هى وعابد) نضال شعبنا، وسنكمل معاً على هذا الطريق».

ربما يُخفى الارتباط الندبات الساكنة بين ضلوعها، ربما ترمم أشلاؤها لتزداد صلابة وإيماناً بعدالة قضيتها، وتستمد روحها الجسور من أنفاس «عابد» القدرة على مواصلة الدفاع عن شعبها.

لكنها قطعاً لن تتخلص من كوابيس ليلتها الأولى، حين اختطفها آكلو لحوم البشر «الدواعش»، وأُجبرت على وضع مساحيق التجميل لتستسلم لشهوة مجنونة تلتهم جسدها نيئاً!.. لن تنسى شرفها المراق فى كهف مظلم تحت راية «دولة الخلافة الإسلامية».. سوف تحاصرها رائحة دماء الأطفال كل لحظة وهم يجبرونهم على قتل ذويهم أو يقتلونهم.. سوف تسمع -حتى فى أحضان زوجها- صرخات «الاغتصاب المشرعن».

وسوف تضطر كل يوم أن تروى للعالم، كيف تحوّل «الجهاد» إلى أكبر عملية نصب فى العصر الحديث، تُستعمر به الأوطان وتُستباح الأرواح والأعراض والممتلكات.. إنها صاحبة «ثأر»، لن تأخذ العزاء إلا عندما يفيق العالم من سكرته وينتصر لدين الله!.

إن ألف «نوبل» لا تعوّض إنساناً عن شرفه ووطنه وقتل عائلته وأمنيته المستحيلة فى أن يُدفن فى أرضه!

تعليقات الفيس بوك

عاجل