دينا عبدالفتاح دينا عبدالفتاح صناعة الوهم!
10:00 م | السبت 21 سبتمبر 2019

«الحرب العصرية هى أن تجعل خصمك يقتل نفسه بنفسه بدلاً من أن تكلف نفسك مشقة قتله».. هكذا تحدّث العالم المصرى الراحل الدكتور مصطفى محمود فى بعض كتاباته الصادرة عام 1984، أى منذ نحو 35 عاماً تقريباً.

هذا مبدأ سياسى تم تطبيقه باحترافية فى الكثير من الصراعات المسلحة والباردة حول العالم على مدار عشرات السنين الماضية، وإلى الآن ما زال هذا المبدأ يحكم الفكر السياسى، ولكن اختلفت أدواته بشكل كلى!

اليوم ونحن فى العام التاسع عشر من الألفية الثالثة، باتت التكنولوجيا السلاح الأقوى على وجه الأرض، حيث يمكنك وأنت جالس فى مكانك أن تحرك العالم أجمع يميناً ويساراً، دون أن تحرك جيوشك، أو تصنع السلاح، أو تنفق مئات المليارات من الدولارات على الذخائر.

كل ما تحتاج إليه؛ بعض من هؤلاء الذين يتقنون فن التعبير، وآخرون يتقنون التسويق، وحزمة من الأموال التى يمكن إنفاقها فى تحقيق الهدف، وبذلك يمكنك بناء معتقدات خاطئة واستصدار مواقف شعبية بناءً عليها، والتحكم فى مصائر أنظمة سياسية وحكومات وأمم بأكملها.

فانتشار وسائل التواصل الاجتماعى بشكل مفجع، ووصول الهواتف المحمولة الذكية إلى أيدى الفقراء قبل الأغنياء، وهبوط أسعار استهلاك الإنترنت إلى مستوى متناول التلميذ قبل العامل يجعل من المنطقى أن تتغير أدوات الحرب، من حرب على الأجساد إلى حرب على العقول والأفكار، فلست بحاجة إلى صاروخ يتم إطلاقه لتدمير منشأة، لكن يمكنك بزراعة الأفكار أن توجه أبناء هذه البلدة إلى هدم المنشأة المجاورة لهم، والمملوكة لهم أيضاً.

ولست بحاجة إلى إطلاق رصاصة فى قلب شخص ليموت، وأنت تملك أدوات يمكنها تغيير معتقداته المناهضة لك بشكل كلى، وأن تحوله من مجرد «عدو» إلى «حليف» يساعدك فى تحقيق هدفك بكل دقة، وكأنه يسعى وراء هدف شخصى له!

الصراعات الدولية اليوم أخذت منحى مختلفاً تماماً عن السابق، ولا يتم رفع السلاح فى الصراعات إلا فى الدول الفقيرة التى تعانى من انخفاض وعى أبنائها، ونرى ذلك بكل وضوح فى الدول العربية التى انتشرت فيها الصراعات المسلحة وقضت على الأخضر واليابس ودمّرت حياة الشعوب، بينما الصراعات على ساحة الدول المتقدّمة لها أدوات أخرى، أهمها المال والأفكار.

ولعلك ترى حجم الخلاف السياسى بين روسيا والولايات المتحدة حالياً، لكن لم يخرج أىٌّ من الطرفين ليُهدد باستخدام السلاح العسكرى أو النووى، الذى يملكه، فقط لأن لديه أسلحة أخرى أكثر فتكاً وأقل تكلفة.

هذا فى ما يتعلق بالصراعات بين الدول المتقدمة وبعضها البعض، والدول النامية وبعضها البعض أيضاً، ولكن فى حالة الصراع بين الدول المتقدمة والدول النامية، فهناك منطق آخر يحكم اللعبة.

يعتمد هذا المنطق بشكل أساسى على فكرة «صناعة الوهم»، وتعنى أن تقوم بصناعة واقع افتراضى، وتقنع به الجميع، وتجعلهم يتصرّفون وفقاً له، وأن تقوم بمتابعة تنفيذ هذه الخطة عبر مراحلها المختلفة، لتؤدى فى النهاية إلى النتائج التى ترجوها.

وقد تتمثل هذه النتائج فى هدم الشعوب والدول بأكملها، ولدينا الكثير من الأمثلة على ذلك، وقد تتمثل أيضاً فى تقسيم هذه الدول إلى دويلات، بحيث تصبح أضعف وأقل قدرة على حماية نفسها، ورأينا الكثير من هذه التجارب أيضاً.

ولعل الجميع يدرك أن الدول الكبرى ترعى مصالحها بكل الطرق، وتخطط دائماً بفكر استراتيجى ينظر إلى عشرات السنوات القادمة والمتغيرات التى يمكن أن تحدث فيها، فبقاء دولة قوية فى منطقة ما، قد يؤثر على توجه مصالح دولة كبرى فى هذه المنطقة، أو دولة أخرى حليفة لها.

وبالتالى من الممكن ألا يستوعب عقل الإنسان البسيط، الأهداف الدولية المستقبلية من وراء تصرفات وسلوكيات تتم على أرض بلده حالياً، لأنه غير متخصّص فى السياسة أو غير مطلع على التجارب السابقة، وهنا وجب عليه أن يستمع إلى أهل الخبرة، وأن يستفتى أهل العلم.. حفظ الله مصر.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل