رجائى عطية رجائى عطية الإنسان بين الماضى والحاضر «2 - 2»
السبت 10-02-2018 | PM 10:00

ما معنا هو حصاد الحاضر

تنسى أجيالنا أننا الذين أقمنا ونقيم ما معنا من معرفة وعلم وفن وأخلاق وحضارة، ذلك لأن بدايات الأمور تختلف عن نهاياتها.. تخالفها فى أنها بدايات فردية صرف، أما نهاياتها فجماعية مشتركة عامة بناها وشكّلها ما لا حصر له من العقول والنفوس والأقوال والأفعال والأعراف والأمكنة والأزمنة.

وهذا فى الواقع الغالب هو سبب وصولها إلينا واعتناقنا لها، ولكننا لا نحب ولا نرضى به، بل نرد كل ما معنا الآن إلى بدايته الأولى الفردية الروحانية المتميزة بفرديتها وروحانيتها، ونجتهد فى تمجيدها وإقناع أنفسنا بوثاقة انتمائنا لتلك.. مع أننا نسلم بأنه نهض عليها نماذج خاصة نادرة يصعب علينا بل يستحيل محاكاتها. وذلك التمجيد مفيد فى الإبقاء على الشعور بالانتماء إلى الدين، والارتباط لحدٍّ ما بأهله.. ولكن ذلك قليل الجدوى فى تنمية الإخلاص والأمانة والاستقامة والالتزام بالفضائل والأخلاق. وبرغم الاختلافات والفروق الضخمة التى بين المجتمعات الحالية وبين تلك المجتمعات الصغيرة البسيطة التى عاشت من قرون فى بدايات العقائد على الرعى أو الزراعة القديمة، إلا أنه ليس من الهيّن إقناع المشدودين للماضى باستحالة رد حياتهم الحالية إلى ذلك الماضى البعيد.

وهكذا يستبقى البشر بقية من خيوط ماضيهم رغم وهنها وعدم قدرتها على مسايرة حاضرهم ومستقبلهم.. وكلما زادت الأيام فى إظهار ضعفها زادوا هم فى الاحتفاء بها والحرص على إظهار الاعتزاز بها!

شتان!

وشتان ما بين قوة وحرارة المعانى والمشاعر المعاصرة لبدايات الديانات والحضارات، وبين ضعفها وفتورها الآن.. لقد كانت إذ ذاك جديدة يافعة.. ديانة أفراد وأبطال.. فيها إعجاز وإقدام غير مألوفين.. ولم تتعرض بعد لخمول الكثرة وجفافها ومحنها، ولا لطموح القلة وأطماعها وذكائها وبراعتها.

وبمضىّ الزمن، ووهن المعتقدات، فقدت الألفاظ والقواعد معناها الواحد الذى كان متفقاً عليه بين المتبوع وأتباعه، وبات الدين والنظام ديناً ونظاماً لجماعة واسعة يكفيها للسير فى حياتها اتفاق الأغلبية. لم يعد يكفى أن يقول قائل، مهما كان من العقل والعلم والحكمة والأمانة، إن هذا هو الدين أو النظام أو الشرع أو الحق، بل لا بد أن تقول ذلك أغلبية الناس المتعارف عليها فى الجماعة.

نواميس الكون

يبدو أن من نواميس الكون أن كل مركّب ينحلُّ ويذوب فيما حوله، وأن هذا يصدق على الماديات والمعنويات والأحياء وغير الأحياء.. كما أن فردية الأفراد بخصائصها، تتآكل وتذوب بين أمثالها.

ونحن كأفراد نخضع لتلك النواميس.. والفروض التى نفترضها، أياً كانت، تذوب وتنحلُّ بعد أن تتآكل ويتوزع منها بإرادتنا وبغير إرادتنا بعض ما جمعناه.. يتوزع فى الجماعة توزيعاً معظمه لا إرادى، نظراً لسعة المحيط مع بساطته النسبية التى لا تفارقه.

وقد تحفظ الكتب والمأثورات والأعمال العلمية والإنسانية والأدبية والدينية والعمرانية معالم وبقايا من الماضين الغابرين يجد فيها الأحياء الحاليون ما يثير أو يلذ أو يُستعاد مع الإشادة به.. وهذا فى حقيقته من أعمال الأحياء الحاليين الذين اشتغلوا به والتفتوا إليه، تناولوا به أثراً لقديم ماضٍ كان ولم يعد له وجود، ولا يمكن أن تبعث حياة صاحبه لا جزئياً ولا كلياً.

حدود الانتفاع بالماضى

لقد انتفع البشر بالفعل بما انتقل إليهم فى الوصول إلى الترقى الذى بلغوه الآن.. هذا الترقى الذى جاوز كل تصور وحاز فى البلاد المتقدمة منذ الحرب العالمية الثانية ثقة تكاد تكون تامة، وقفزت على يديه التكنولوجيا الحديثة قفزات مذهلة، وأشرفت البشرية جمعاء بسببه على أبواب عالم هائل لا حدود لإمكاناته ومعارفه الوضعية وتطبيقاتها.

وقد اتسعت من جرّاء ذلك المسافة أو الهوة بين خارج الآدمى وداخله، وبين ضخامة وقوة وإعجاز ما بين يديه وحوله، وبين شعوره بضآلته وحاجته وضرورة اعتماده على غيره. هذا الشعور العميق بالتحطيم الداخلى هو مشكلتنا جميعاً إلى أن نعثر لها على حل.

اليوم

ونحن اليوم نتحرك ونفكر ونعمل ونلهو ونخاف ونطمع ناظرين طول الوقت إلى خارجنا كالسائرين نياماً بلا إرادة حرة ولا اختيار حقيقى وبلا ثقة فى وجود شىء ثمين عظيم فينا يعطى لوجود الفرد قيمة لا يعدلها شىء آخر.. مع أنه لم يعد يوجد بيننا الآن عبيد ولا سادة كما كانت عصور الاستعباد، ولكننا فقدنا تماماً إحساسنا بالسيادة على مصائرنا.. هذا الإحساس الذى كان يميز السادة عن العبيد فى تلك العصور.. وهو ضرب من التألُّه والمغالاة فى قيمة الذات فى مواجهة الوجود والكون لم يعد له اليوم نظير. وخارجنا الذى يعيش فيه عالمنا الآن بناءٌ ضخم جداً غير متكامل ولا متساند.. فيه عشوائية واضحة برغم علومه وفنونه الهائلة.. غير مترابط بنواميس كونية، ولا تربطه روابط عقلية متينة سائدة، ولا يجمعه إيمان به من عامة الآدميين سطحى أو عميق.

كيف يتماسك البناء؟!

والسؤال هو: كيف يتماسك هذا البناء الضخم الذى يعيش فيه عالمنا، بحيث يشعر أغلب البشر بعظمته ومبناه، ويستعيدون ثقتهم فى أنفسهم داخله، وينطلقون بقدر من الأمان والأمل والحماس إلى إتمام المسيرة الجديدة الممعنة فى التقدم والشمول التى خطوا بالفعل خطواتهم الأولى فيها؟

هذا السؤال البالغ الخطر مطروح علينا جميعاً فى كل لحظة ومنذ أمد، ونكاد لا نلتفت بتاتاً إليه.. لأننا نحيا فيما يشبه غيبوبة عامة شاملة، إذ نواجه مفاجآت وانهيارات وأزمات واندفاعات وإفلاس مبادئ ومصدقات تقاسمناها واختلفنا عليها.. ثم ها نحن نتقاسم خيباتها وخسائرها. وفى هذا الخضم العكر الثائر الغائر لا يكاد الآدمى العادى يعثر على عقله الذى تاه منه.. فهو يعيش يومه فقط، ولا يجد ما يدعوه لأن يستجمع قواه ليتطلع إلى غده.

بين الأجيال

صار بيينا وبين آبائنا خط تعتيم واسع مروع.. يفصل بين عالمين بشريين مختلفين فى كل شىء.. فى القامة واللغة والحركات والمشارب والعادات والأمزجة والأذواق والأطعمة والمساكن والمدن والقرى والمقابر والمعابد ووسائل النقل والاتصال والطرق وأوقات الراحة وأنواع الجد واللهو ومعالم الاستقامة ومعنى القرابة والصداقة والمحبة، وكيفية الفهم والتفكير، وترتيب القيم المعترف بها وغير المعترف، وقياس السرعة والبطء والقرب والبعد وحساب الزمن والنجاح والفشل والتمييز بين الجائز والممنوع وبين الحلال والحرام.. مع زيادة عددنا الهائل المخيف الذى لم يسبق له مثيل!

فعالمنا هذا الجديد الذى انفصل عن عالم آبائه، لم يؤهَّل بعد بسبب ما فيه من سيولة شديدة لأن يفكر فى التخطيط والتبصر للمستقبل الذى ينتظره بما معه من معارف وتقنيات غزيرة واعدة فتحت أمامه فرص الامتزاج بالكون الواسع العظيم.

الثقة الواجبة

لم يعد الآدمى العادى يطمئن إلى خبراته وخبرات أمثاله، أو يثق فى أنها محك الصدق والواقع لقراراته واجتهاده وآرائه وأفكاره، بل بات فى قبضة الصحف والإذاعات ووكالات الدعاية والإعلان يتبع ويردد عنها ما تردده يوماً بيوم، وزاد ذلك فى وهن داخله وتخلخله واعتياده على عدم الثقة فى فطنته، وعلى خفة وكثرة قراراته وتطلعاته وشدة ميلها إلى التغيير والتبديل بلا انزعاج أو مبالاة.

آفة الارتداد إلى الماضى!

والارتداد إلى الماضى هو فى حقيقته عجز عن التعامل مع الحاضر ومعطياته وعناصره ولوازمه، ولذلك كان ضيق الأفق مع قلة الحيلة قاسماً يكاد يكون مشتركاً بين المتشبثين بالعودة إلى الماضى والعيش فيه، فهو على ما يستحضرونه من أمجاده أسهل فى التعامل مع معطياته، سيما من يأخذ بالقشور والصور، ولا يتأمل فى الأعماق والمعانى.

ظنى أن العناية بالداخل هى جسر التواصل مع الحاضر وما طرأ فيه، وعاصم الانشداد غير العاقل إلى ماضٍ أخذنا منه ما نفعنا، ولكنه غير قابل للإحياء بالصورة التى كان عليها فى زمان مختلف كل الاختلاف عن زماننا!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل