سمير عمر سمير عمر الشيخان والإمام
10:00 م | الإثنين 04 مارس 2019

فى الأسبوع الماضى حلت ذكرى رحيله، وأحيا أبناؤه ومريدوه الذكرى فى المسجد الذى عاش ومات ودُفن فى رحابه، إنه الشيخ الصوفى المجدد محمد زكى الدين، رائد العشيرة المحمدية. كنت أعتزم الذهاب للمسجد للمشاركة فى إحياء الذكرى، غير أن ظروف العمل أجبرتنى على السفر خارج القاهرة، فحيل بينى وبين الجلوس فى حضرته.

كان الجلوس فى حضرته ولوجاً لطيفاً فى آفاق الصوفية الرحبة، وبين يديه تعلمنا أن التصوف هو «التحلى بكل ما هو سَنِىّ، والتخلى عن كل ما هو دَنِىّ»، وأن التصوف يدعونا بجمال وجلال لأن نسلك طريق الهدى دون أن تضرنا قلة السالكين، وأن نترك طريق الردى دون أن تغرنا كثرة الهالكين.

قبل نحو أربعة عقود عرفت الطريق لمسجده طفلاً يجلس إلى جوار عشرات الأطفال فى الكتّاب الذى يتولى تسيير شئونه الشيخ حسن.

والشيخ حسن شيخ محفِّظ تقليدى لا تفارق «الخرزانة» يده، وكان جحوظ عينيه وانحناء ظهره كفيلين ببث الرعب فى نفوسنا جميعاً كلما اقترب من أحدنا رافعاً الخرزانة فى الهواء، حتى لو لم تهوِ على جسده.

حفظت ما تيسّر من القرآن على يدَى الشيخ حسن، غير أن سلوكه العنيف دفعنى لمغادرة كتّابه، وصنع حاجزاً نفسياً بينى وبين مسجد العشيرة المحمدية.

وانتقلت بعدها إلى كتّاب الشيخ قناوى، المحفِّظ الضرير خفيف الظل. كان الكتّاب رواقاً فى مسجد السلطان برقوق، وكان عدد الأطفال أكثر والإمكانات أقل، لكن «الخرزانة» كانت واحدة، ومهارة الشيخ قناوى فى تصويبها نحو المخطئ أو المتلعثم فى الحفظ أو التلاوة كفيلة بإدراج اسمه كواحد من أبطال الرماية المهرة.

وحفظت على يدَى الشيخ قناوى ما تيسّر من القرآن.

ومضت سنون قليلة تجاوزت خلالها الحاجز النفسى الذى صنعه سلوك الشيخ حسن العنيف بينى وبين مسجد العشيرة المحمدية، فعدت إلى المسجد بعد أن غادره الشيخ حسن، ولم أعرف وقتها هل توفى الرجل أم أن «الشيخ الكبير» قرر إبعاده عن الكتّاب بسبب غلظته وقسوته على الأطفال.

الشيخ الكبير! ومن يكون الشيخ الكبير؟!

كنا أطفالاً نسمع عن الشيخ الكبير ولا نراه، وكنت كبقية أقرانى أتصوره رجلاً مهيباً يمكنه بكل بساطة إزاحة الشيخ حسن، بل ومعاقبته إن هو أساء لأحدنا.

وحين رأيت الشيخ الكبير لأول مرة فى درس الأربعاء الذى كان يقيمه بعد صلاة العشاء علمت أننى لم أكن مخطئاً، فالرجل بالفعل كان مهيباً ومُهاباً له من اسمه نصيب وافر، إنه الشيخ محمد زكى الدين إبراهيم.

كان درس الأربعاء نافذة مشرَعة على كل ما هو جميل ولطيف، فالتدين والغلظة لا يجتمعان، وحوار الشيخ زكى الهادئ وحضوره الطاغى كفيلان بنقل كل من فى المسجد إلى عوالم إنسانية رحبة. أما مجلس الذكر أو «الحضرة» فكان موعدها يوم الأحد بعد صلاة العشاء.

لم يكن الشيخ يشاركنا حضرة الأحد، لكنه فى كثير من الأحيان كان يدعونا إلى الدور العلوى من المسجد، حيث يقيم، للجلوس معه.

فى مسجده رأيت الأستاذ خالد محمد خالد يقبّل يده ويدعوه «شيخنا»، واستمعت لابتهالات الشيخ محمد الطوخى واستمتعت بصوته.

قائمة طويلة من العلماء والمشايخ كانوا يجلسون فى حضرته كطالبى العلم التواقين للمعرفة، وقائمة طويلة من المسئولين والمشاهير كانوا يحرصون على حضور درسه الأسبوعى وتقبيل يديه اعترافاً بالجميل.

كان يؤمن بأن التصوف هو باب كل خير، وأن المتصوف الحقيقى هو المسلم الحقيقى.

كان يدافع عن التصوف ضد من زيَّفوه وألصقوا به ما ليس فيه، وكان يراه ملهماً ومفجراً للطاقات ومحفزاً على العمل.

كان حتى قبل سنوات قليلة من رحيله حليق الذقن وكان يقول: إطلاق اللحية كطابع البريد فهل يمكن أن تلصق طابع البريد على خطاب فارغ؟ املأ قلبك أولاً بالإيمان والحب لكل الناس، ثم فكر فى إطلاق لحيتك.

كان يرفض ربط التصوف بالتواكل، ويرفض بشدة ممارسات بعض المنتسبين للصوفية.

كان يدعو مريديه لأن يكونوا الأنفع للمجتمع، ويدعوهم لبذل العطاء للجميع.

كان يدعوهم لعدم التكبر والغرور، وحين كان يلمس فى أحد مريديه أنه اغتر بنفسه أو ظن أنه أفضل من أخيه، يهذبه ويرده إلى جادة الصواب والمحبة الحقيقية.

رحم الله الشيخ محمد زكى إبراهيم، الإمام الرائد المجدد، وليسامحنى لأننى لم أتمكن من الزيارة وإحياء الذكرى.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل