سحر الجعارة سحر الجعارة الذين يحترقون عشقاً
09:58 م | الثلاثاء 19 مارس 2019

لم يكن يوم الاثنين الماضى يوماً عادياً فى حياتى المهنية، فقد تلقيت دعوة هاتفية، قبل أسبوع تقريباً، تفيد بأن نقابة أطباء مصر قد قررت تكريمى فى «يوم الطبيب» لتبنّى قضايا الأطباء والدفاع عن حقوقهم.. وهو ما أفعله بدافع «الواجب» والعرفان بالجميل لأصحاب الفضل على البشرية.. أولئك الذين تسلمهم روحك وتأتمنهم على جسدك وأنت فى غيبوبة التخدير ليتخذ الطبيب «نيابة عنك» قراراً قد يترجمه مشرط أو بتر عضو من جسمك.. إنهم أمناء على الحياة نفسها.

فجأة تذكرت صديقتى «ف.خ»، إنها بالنسبة لكم مجرد حروف قد تتشابه مع أسماء كثيرة، لكنها بالنسبة لى تجسيد لعلاقة الطبيب بذلك المبنى العتيق بشارع قصر العينى: «دار الحكمة» أو نقابة الأطباء.. فقدت «ف» زوجها الطبيب وهو فى منتصف العقد السادس من عمره، اختطفه الموت فى لحظة وترك لها فتاة جميلة كانت فى الخامسة عشرة آنذاك، ودخل «المجلس الحسبى» ليضع الأم أمام مسئوليات لا بد أن تتمها من ممتلكاتها الخاصة، لأن المجلس لا يعترف بالمدارس الأجنبية ولا بمصاريف شابة صغيرة.. المهم ذهبت صديقتى إلى النقابة لتكتشف أن معاش زوجها «هزيل»، وأن الأوراق متشابكة ومعقدة، فقررت تصعيد الأمر وكتبت شكوى للنقيب وتركتها ونسيت القصة، وإذا بهاتفها يرن وتجد من يقول لها أنا دكتور «حسين خيرى»، ظنّت أنه أحد المعزين، ففاجأها: «أنا نقيب الأطباء.. ما هى شكواك؟».

على الفور تذكرت صديقتى، وأصررت أن تكون إلى جوارى لحظة تكريمى، وتذكرت أحد نقباء الصحفيين، قابلته ذات مرة فى إحدى الفضائيات، وقلت له أتصل بك كثيراً أنا وآخرون لأن زميلنا فلان لديه مشكلة صحية حرجة.. فقال لى «أنا نقيب الصحفيين ولست تليفونيست»!

قد تبدو المقارنة غريبة لكنها الحقيقة التى تكشف من يعتبرون العمل النقابى «وجاهة اجتماعية»، وليس خدمة للمهنة وأبنائها.. وأن منصب النقيب هو المفتاح السحرى لجنى مناصب أخرى وثروات وشهرة قد لا يستحقها البعض!

فى احتفالية «يوم الطبيب» وجدت مشوارى الصحفى كله يتجسد فى صور متتابعة أمام عينى. وأنا عادة لا أستجيب لمثل هذه الدعوات، لكن إحساسى بأنك أمام جهة لا تعرفك على المستوى الشخصى واختارتك مع غيرك من المكرّمين لأسباب موضوعية دفعتنى للوجود فى قلعة الأطباء، ومصافحة الدكتور خيرى «النقيب الإنسان» الذى يعرف دوره جيداً كنقابى وطبيب، ويعرف قيمة كل طالب طب وكل أستاذ وكل مؤسسة تطوعية تدعم المرضى.

تذكرت النبيل «مجدى مهنا» الذى أوصانى باختصار: «أن أكتب».. ثم احترق عشقاً فى بلاط «صاحبة الجلالة»، وصرت من بعده أردد مقولة: «إننى أكتب لأثبت أننى على قيد الحياة».. تذكرت أستاذى الكاتب الكبير «عادل حمودة» الذى كانت مدرسته الصحفية نقطة تحول فى حياتى.. وكان «البوصلة» التى حددت هدفى فى الحياة.

أحسست أن التكريم لا يخصنى، إنه تكريم لكل من سمح لكلماتى بأن ترى النور.. لكل كتاب أو كاتب أضاف لى قيمة معرفية وإنسانية.. إنه تكريم لرئيس تحرير جريدة «الوطن» الذى عملت تحت رئاسته أيضاً لتحرير جريدة «المصرى اليوم».. إنه صاحب الأخلاق الرفيعة «محمود مسلم»، الذى يصعب أن تصفه على المستوى الإنسانى المهنى لأنه أرقى من الحروف الجامدة.. تذكرت «أيام الصعلكة» التى جمعتنى بصديقى «المتشائل محمود الكردوسى»، رئيس التحرير التنفيذى لجريدة «الوطن»، ورحلتنا بين مكاتب الصحف العربية والبحث عن التعيين فى مؤسسة حكومية كشرط أساسى -سابقاً- للالتحاق بنقابة الصحفيين.. وتحريضه لى على ملاحقة «الموهبة» التى تسرق أعمارنا، ومطاردتها حرفاً تلو الحرف.

وتأملت حال مؤسسة «دار الهلال» التى أنتمى إليها وأنا حائرة: هل سيأتى اليوم الذى أجد فيه مؤسستى تباع فى المزاد «مثل القطاع العام»، ونعامل كالقطيع الذى أصبح عبئاً على الدولة فقررت التخلص منه؟

هل لا تزال الصحافة هى نفس المهنة الساحرة التى أسرتنا جميعاً؟.. هى «النداهة» التى خطفتنا من الاستقرار والرتابة وألقت بنا فى دوامة المعارك الفكرية والسياسية؟.. هل لا يزال بريق المطبعة التى توثق أسماءنا ذهبياً فى عيوننا؟ الحقيقة أنه رغم كل الأزمات التى تمر بها الصحافة من غلاء أسعار الطباعة والأحبار وانخفاض التوزيع فى مواجهة المواقع الإلكترونية.. تظل الصحافة هى «تاج رؤوسنا» وتظل «الكلمة» هى أقوى سلاح فى معاركنا الوطنية.. أما الأزمات فهى «جملة اعتراضية» يمكن حذفها من تاريخك المهنى، لتضم اسمك إلى قائمة استثنائية للذين يحترقون عشقاً.

تعليقات الفيس بوك

عاجل