د. ناجح إبراهيم د. ناجح إبراهيم «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ»
الإثنين 08-01-2018 | PM 10:04

رسالة مودة ربانية وقاعدة إنسانية قرآنية تطلب منك الوفاء لكل صديق عشتما معاً، ولكل زوجين تقاسما هموم الحياة وتعب الأولاد، والآن هما على حافة الطلاق، ولكل شقيقين تشاركا فى اللعب والطعام والفراش والسكن الواحد زمناً مع الضحكات والآن يعيشان لحظات الصراع والخلاف.

«وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» رسالة ربانية تحثُّك على ألا تنسى فضل أساتذتك ومعلميك، فالحر من راعى وداد لحظة، ولم ينسَ يوماً من علمه لفظة، كيف وقد علموك الكثير، وأخذوا بيدك إلى طريق العلم ووضعوا أقدامك على سلم النجاح، والآن تتنكر لفضل أستاذك وتترفع عليه بعد أن أصبح على الهامش، وأصبحت فى السلطة والنفوذ، وصار فقيراً وأصبحت غنياً. إلى كل زوجة تنكرت لفضل زوجها بعد ضعفه وزوال ماله.

وإلى كل زوجين نسى كل منهما لحظات السعادة الجميلة بينهما، وفرحتهما المشتركة بميلاد أطفالهما، ونسيا لحظات الخطبة والزفاف والزواج الجميلة وتذكرا فقط اليوم الآلام والأحزان ففضح كل منهما الآخر وأهال التراب عليه، وكاد له فى الشرطة والنيابة، فالقرآن يناديهم «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ».

إلى كل أخ أكل ميراث شقيقاته بغير حق ونسى شقيقته الكبرى التى كانت بمثابة الأم الثانية له، والصغرى الصدر الحنون له، والوسطى التى ساعدته فى زواجه «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ».

إنها رسالة تسامح يهديها القرآن إلى كل زوجين متباعدين أو مطلقين، وهتاف تآخٍ يعيد الوداد المفقود بين الأشقاء المتباعدين أو المتباغضين أو المتحاسدين، ودعوة إلى صفاء القلوب مرة أخرى لكل تلميذ تجاه أساتذته الذين علموه، والآن يهيل عليهم التراب ويرد لهم معروفهم منكراً.

إنها رسالة إخاء إلى كل الذين تحابوا فى الله وفرقتهم أضغان السياسة، والأصدقاء الذين مزّقهم البحث عن كراسى السلطة فتشاحنوا وتباغضوا، والزملاء الذين تحولوا إلى أعداء بعد عشر سنوات، لأن أحدهم ظفر بمنصب كان يرغب فيه الآخر ويطلبه.

«وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» رسالة أخلاقية عظيمة يرسيها القرآن حتى لا ينسى الناس أوقات المودة والمحبة والود التى سادت بينهم زمناً، ولحظات العطاء المشترك والأمل والألم الذى جمعهم يوماً وأسعدهم كثيراً. فكل من ينسى فضل الآخرين ممن عاشروه وعاشوا معه هو خسيس النفس، لئيم الطباع «قليل الأصل»، كما يطلق عليه المصريون، مثل الذى يهمل والديه أو لا يعرف قدرهما أو يتنكر لعطائهما، أو الذى يفضح زوجته التى سترته دهراً، أو الزوجة التى تطمس أفضال زوجها وتحول حسناته إلى سيئات.

فكل من يَفجُر فى الخصام هو منافق لم يفهم يوماً رسالة القرآن «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ».

وكل من يغدر بأخيه وصديق عمره لم يفهم هذه الآية، كل من يصعد على جماجم أقرانه أو يرفع نفسه على آهات وآلام أتباعه وتلاميذه الذين قدّموا حياتهم فداءً له لم تتشرّب نفسه معنى «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» ولم يعش يوماً بقلبه مع هذا المعنى الكريم، وما أكثر الغدر فى زماننا برفاق الأمس. هذه الآية العظيمة هى دستور الحياة الاجتماعية بين الناس، فهى تُضمد الجراح، وتغسل أدران القلوب، وتمحو الجفوة بين النفوس، وتذكرها بفضل الآخرين عليها، وبلحظات جميلة وحميمية عاشها الأحباب معاً، فما أجمل الوفاء، وما أقبح الغدر.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل