محمد البرغوثى محمد البرغوثى «السيسى» يرفع غطاء «صندوق الآلام»
الأحد 09-09-2018 | PM 10:04

لا أعرف تحديداً من هو الشخص النبيه الذى أطلق تعبير «التفكير خارج الصندوق» قبل سنوات، فإذا به يتحول -فى غمضة عين- إلى «لبانة» تلوكها النخبة الإدارية فى مصر، ويتشدق بها عشرات الخبراء فى برامج «التوك شو»، ويعثر فيها مئات كتاب المقالات على «أيقونة» جديدة تضفى على مقالاتهم الركيكة والتافهة قدراً من الوجاهة الكاذبة.

لقد ارتبط «التفكير خارج الصندوق» فى العديد من الدول المتقدمة بمجالات إبداعية مذهلة، ويكفى أن تطالع مقالاً أو بحثاً أو كتاباً عن «الصناعات الإبداعية» فى الغرب لتدرك أن نحو 80٪ من الناتج القومى الإجمالى للدول المتقدمة جاء من «التفكير خارج الصندوق»، ومن استخدام تكنولوجيا المعلومات وتسخيرها فى مجالات الطب والزراعة والصناعة والتعدين والنقل والاتصالات والتجارة وكل مجالات تطوير أسباب الحياة، وقد تمكّن ملايين الشبان حول العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة من تأسيس وبناء شركات عملاقة من مجرد فكرة إبداعية بسيطة، وجدت من يتبناها ويصبر عليها ويدعمها.

والمدهش حقاً أن مصر لم تعدم أبداً وجود شبان وشابات قادرين على التفكير الإبداعى المذهل، وقادرين على الابتكار فى مجالات شديدة الأهمية مثل توليد الطاقة الجديدة والمتجددة وتحلية المياه وتطوير مواد جديدة لرصف الطرق وحل مشكلات مستعصية، مثل التخلص الآمن من النفايات الخطرة، وزيادة إنتاجية كافة المحاصيل، وتقليل آثار التغيرات المناخية على الصحة العامة والبيئة، ولكن الغالبية العظمى من هؤلاء الشبان المبدعين «لم يجدوا من يحنو عليهم أو يترفق بهم». ويشهد واقع الحال فى كل بيئات العمل فى مصر، أن هؤلاء الشبان أصبحوا هدفاً للتنكيل والتسخيف والاستهزاء من طغمة مديرين سافلة وجاهلة، كان أفرادها هم الأكثر ترديداً لمقولة «إحنا عايزين أفكار من خارج الصندوق».

وصباح أمس، فعلها الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يشهد افتتاح 5 مشروعات جديدة لهيئة الطرق والكبارى، على رأسها الطريق الدائرى الإقليمى، ورفع الغطاء عن أسوأ صناديق الإدارة المحلية فى مصر عندما فاجأ الجميع بقوله: «شبكة الطرق بالمحافظات تتطلب رفع كفاءتها، وإلا أبقى مش واخد بالى.. أنا واخد بالى كويس». وارتفع صوت أحد المواطنين ليقول: «شبكة الطرق فى المحافظات متهالكة يا ريس»، فأجابه الرئيس: «متهالكة يعنى عدمانة.. إحنا واخدين بالنا.. وحجم المطبات الصناعية الموجودة بالمحافظات معيق للحركة ومؤذى».

والحقيقة التى قد لا يعرفها كثيرون أن انهيار شبكة الطرق فى كل محافظات مصر كان أحد أهم أسباب انصراف المواطنين عن «الفرح» بملحمة البناء والتعمير التى شهدتها مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهى ملحمة بكل المقاييس تستحق الفرح، وخلال أعوام قليلة مقبلة سيقف الجميع مذهولين أمام ما تم إنجازه من مشروعات بنية تحتية وشبكات طرق ومحاور ومدن جديدة وتشغيل محطات كهرباء واكتشاف حقول غاز وبترول، وبناء مطارات ومستشفيات ومصانع ومزارع أسماك ومحطات تنقية مياه عملاقة وشبكات توصيل كهرباء غطت كل محافظات مصر فى فترة وجيزة جداً.

ولعل الرئيس السيسى نفسه -فى أكثر من مناسبة- بدا مندهشاً وغاضباً من عدم الانتباه اللائق بحجم هذا الإنجاز الأسطورى فعلاً.. ومن عدم التقدير المستحق للقيمة الاقتصادية والاجتماعية لما تم إنجازه. ويبدو لى أن الرئيس وضع يده على أول الخيط الذى سيقوده حتماً إلى حل هذا اللغز المحبط: لغز عدم الفرح اللائق بإنجازاته المذهلة.

إن رفع الغطاء عن صندوق آلام المواطنين فى هذا البلد هو بداية إدراك أن الطغمة الإدارية فى مصر كانت تستقل الحافلة الخطأ، وتمضى بأقصى ما لديها من سرعة تمثيلية فى الاتجاه الخطأ، فقد ترك المحافظون ورؤساء المدن شبكات الطرق والكبارى فى المحافظات تتآكل وتنهار تحت وطأة الفساد وانعدام الضمائر لدى شركات المقاولات التى قامت بالرصف، والمسئولين الذين تسلموا هذه الطرق، وكانت النتيجة هى اختناق حركة السير على كل الطرق، وارتفاع معدلات حوادث الطرق وإزهاق أرواح عشرات الآلاف من المواطنين سنوياً فى مصائد المطبات العشوائية الإجرامية التى غطت كل طرق المحافظات.

وفى الوقت الذى ظل فيه هؤلاء المسئولون يطالبون مرؤوسيهم بأفكار من خارج الصندوق، كانت صناديق المشكلات العادية والبسيطة، مثل شبكات الطرق والصرف الصحى والمياه والكهرباء والترع والمصارف فى عموم الريف المصرى، تطفح بعذابات وأهوال تدعو للحسرة، وتُشيع بين المواطنين نوعاً من فقدان الانتماء إلى بلد «لم يترفق بهم ولم يرحمهم»، وكان طبيعياً جداً أن ينصرف الناس جميعاً إلى هموم حياتهم المدمَّرة والمتهالكة، دون أدنى مبالاة أو تقدير لما تم إنجازه فى الولاية الأولى للرئيس السيسى.

والآن، دقت ساعة الرجوع إلى الصندوق، دقت ساعة إزالة المطبات الإجرامية من طرق المحافظات، ودقت ساعة الإطاحة بكل المتشدقين بعبارة «عايزين أفكار من بره الصندوق».. وأتمنى أن تمتد مبادرة الرئيس إلى أهم مجالات الحياة الحقيقية فى الريف المصرى: مثل تطهير الترع والمصارف وإزالة التعديات عليها.. لأنها -إلى جانب الطرق- هى شرايين الحياة الأساسية لتنمية هذا البلد، ولم يعد مقبولاً أبداً أن نترك الكتلة الحرجة الجبارة من الدلتا والوادى نهباً لاختناق شرايينها بالقاذورات والمطبات.. ونهباً لإصابة مواطنيها بانعدام الإحساس والفرح بملحمة بناء وإنجاز غير مسبوقة فى تاريخ مصر.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل