د. محمود خليل د. محمود خليل عفريت «أدهم»
10:02 م | الأحد 01 سبتمبر 2019

الحياة فى قرى مصر أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت لها طبيعتها الخاصة. فقد عانت فى أغلبها من محدودية الخدمات -إن لم يكن انعدامها- وتراجع المستوى التعليمى لأغلب أهليها، ناهيك عن معاناتها التاريخية من ظلم مركز الحكم فى القاهرة، وتسخير أداهم أهلها لخدمة أهداف وتوجهات مَن يحكم البلاد من العاصمة قروناً عدداً. إحساس «الأدهم الريفى» بأنه مغلوب على أمره، وشعوره بالعجز عن مواجهة الواقع يجعل منه فريسة طيِّعة للخيال بكل صوره وتجلياته. كان نهار الأداهم بالقرية المصرية فى ذلك الوقت يحتشد -فى أغلبه- بصورة مختلفة للدجل، وليلها يتزاحم بالعفاريت. لذا فقد تساوى أغلب كُتاب ومفكرى هذه الفترة فى ملمح «الولع بالخيال والأساطير». هذا الولع الذى شكل غلافاً مسيطراً على عقولهم خلال مراحل الطفولة، واختلفوا بعد ذلك فى طول صحبتهم له أو الإلقاء به وراء ظهورهم، عندما سار بهم قطار الحياة من محطة القرية إلى المدينة ومنها إلى الغرب.

القارئ للسيرة الذاتية التى كتبها سيد قطب «طفل من القرية» يلاحظ أنها تلتقى مع محتوى «أيام» طه حسين، خصوصاً فى جزئها الأول، وذلك فى الملمح الذى نتحدث عنه: ملمح «الولع بالخيال والأساطير». تحدث «قطب» فى مواضع عديدة من سيرته عن «عالم المجاذيب» و«عالم العفاريت»، تماماً مثلما فعل طه حسين وهو يصف أحواله مع شيخ الطريقة الذى كانت تستضيفه أسرته، وحكاياته مع العفاريت وارتعاده منها. إنه ببساطة عالم القرية المصرية التى كان يسودها الظلام بسبب عدم وصول الكهرباء إليها، والظلام هو العامل الأكبر فى حفز الخيال وتصوير كل همسة فى الفراغ الدامس المحيط وكأنها «صرخة عفريت».

قلَّد سيد قطب عميدَ الأدب العربى فى وصف عدد من الصور والمشاهد التى تعكس انغماسه فى دوائر «الخيال والأسطورة»، لكن الفارق بين «العميد» و«قطب» أن الأول زهد فى الخيالات عندما انتقل للعيش فى القاهرة، وأصبح شديد الالتصاق بالواقع ويتعامل معه بدرجة محسوسة من العقلانية -تجلَّت فى كتاباته- بعد تجربة السفر والدراسة فى فرنسا. أما سيد قطب فقد ظلت خيالات القرية تتسكع فى تفكيره بعد الانتقال إلى القاهرة وكذلك السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ظهر ذلك فى اعتراف صريح ذكره «الأدهم القطبى» فى كتاب «طفل من القرية» حول رسوخ فكرة «العفاريت» فى تفكيره حتى بعد أن شب ونضج وانتقل إلى القاهرة. يقول «قطب» تعليقاً على ما حكاه عن «عفاريت الطفولة»: «ولكن اسأل أحلامه اليوم ورؤاه، إنها لتُنبئك أن أسطورة العفاريت أعمق فى نفسه من الثقافة، وأن العفاريت التى رافقت عقله فى طفولته وصباه ستظل ترافق خياله على مدى الحياة».

ورغم أن سيد قطب تحدث بشكل يسخف عالم المجاذيب الذى كان يسود القرية فى طفولته، فإن صورته فى مرآة نفسه كانت تبدو فى أحوال فى صورة «القطب الولى». وتوضح الاعترافات التى كتبها بخط يده فى قضية تنظيم 1965 ونُشرت تحت عنوان «لماذا أعدمونى؟» أن نظرته إلى أعضاء تنظيم 1965 كانت تحكمها معادلة «علاقة المجذوب بالقطب الغياث» أو «علاقة المريد بشيخه». ومن يقرأ هذه الاعترافات بقدر من التأنى يلاحظ أن سيد قطب يقدم نفسه كمالك للفهم الحقيقى للإسلام، وأن دور العضو يتوقف عند التلقى والتسليم بتصوره الخاص للعقيدة. إنه عالم «القطب الولى» الذى عشقه قطاع لا بأس به من «أداهم المصريين» فرضوا لأنفسهم التسليم له وتنحية عقلهم جانباً.

برز جانب الولع بالخيال والأساطير أيضاً فى واحدة من المحاولات الروائية القليلة لسيد قطب والمعنونة بـ«المدينة المسحورة». قدم سيد قطب هذه الرواية عام 1946 وتحكى قصة أشبه بقصص ألف ليلة وليلة، ويتصدر صفحتها الأولى إشارة إلى أن الرواية تحكى وقائع ما حدث فى إحدى المدن فى الليلة الأولى بعد الألف من ليالى الملك شهريار. وثمة فارق واضح بين هذه الرواية التى انشغلت بالخيال الأسطورى وروايات طه حسين التى اعتمدت على ما يمكن وصفه بـ«الخيال الواقعى» إذا صحَّ التعبير، يتبدى ذلك فى روايات: «شجرة البؤس» و«المعذبون فى الأرض» و«ما وراء النهر».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل