د. ناجح إبراهيم د. ناجح إبراهيم نزرع الحب.. أم المتفجرات والسجون؟!
08:03 م | الإثنين 24 أغسطس 2015

روى أبوحاتم الرازى عن عبدالملك بن عمير قال: «دخلت القصر بالكوفة سنة 61 هـ فإذا رأس الحسين بن على، رضى الله عنهما، على ترس بين يدى عبدالله بن زياد، وعبدالله بن زياد على السرير (أى سرير الملك).. ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين سنة 67 هـ فرأيت رأس ابن زياد على ترس بين يدى المختار الثقفى، والمختار على السرير.. ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين 67 هـ أيضاً، فرأيت رأس المختار على ترس بين يدى ابن الزبير ومصعب على السرير.. ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين 71 هجرية، فرأيت رأس ابن الزبير على ترس بين يدى عبدالملك بن مروان، وهو على السرير، فرأى عبدالملك منى اضطراباً، فسألنى فرويت له القصة كلها.. وقلت له: وهذا رأس مصعب بين يديك فوقاك الله يا أمير المؤمنين، قال: فوثب عبدالملك، وأمر بهدم الدار على ما فيه».
تهزنى هذه القصة كلما قرأتها وتدبرتها.. فالدم لا يولد إلا الدم.. والعنف لا يولد إلا العنف.. والقتل لا يولد إلا القتل.. والمتفجرات لا تزرع وروداً ولا تجنى أزهاراً، لكنها تزرع الموت والخراب والدمار فى كل مكان.
والكراهية تولد الكراهية.. والشتائم والسباب تولد الأحقاد.. والإقصاء المتبادل يولد تربصاً.. لن تزرع المتفجرات وتفجّر خصومك ثم تفترض فيهم الملائكية ليرحموك أو يشفقوا عليك أو يعدلوا معك.. فما دام قد طاش عقلك ولجأت إلى العنف والسلاح فلن تجد منهم إلا الشطط والقسوة والعنف.
ازرع الرحمة تجدها.. ازرع العفو ستجده.. ازرع السكينة والتسامح ستلقاهما.. اهدم المبانى التى يعيش فيها خصومك السياسيون سيُهدم بيتك.. فجِّره، سيعاملونك بالمثل.
هذه هى قواعد الحياة الواقعية التى نعيشها.. لن تجنى الحب إلا إذا زرعته.. ولن تجد اليسر إلا إذا بذرته.. لن تجد الود إلا إذا بذرت بذرته وتعاهدتها.. فالسيوف والبنادق والرصاص لا تخلف زهوراً ولا رياحين، لكن تخلف الدماء والأشلاء والآهات.. والمتفجرات تخلف أشلاءً ممزقة ويتامى وثكالى وأرامل.. فضلاً عن سجن أبرياء وتوسيع دائرة الاشتباه وأخذ الناس بالشبهات أو إهمال الناس فى السجون حتى يموتوا.. وكل ذلك لن يخلق إلا الكراهية والأحقاد وموجات التكفير ورغبات الانتقام والثأر بين الطرفين.
كلنا يصنع متوالية الدماء التى ذكرها القرآن «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».
وعلى الحركة الإسلامية أن تقطع هذه المتوالية الدموية قبل أن تقطعها وتمزّقها وتأتى على آخر فرد فيها، إما سجناً أو هروباً أو قتلاً أو إعداماً أو تصفية.
خذوا عبرة من كل الجماعات التى حملت السلاح، وانتهجت العنف من قبل.. لقد أضرت بنفسها وأوطانها ودينها وشبابها ودعوتها والدعوة الإسلامية.. ولم تحقق لنفسها ولا وطنها ولا دينها خيرها.. ولم ترفع ظلماً، بل زادته.. ولم تجلب مصلحة، بل ضيعت كل المصالح.. ولم تحرر سجيناً، بل زادت السجناء عدداً ورهقاً وعنتاًً.
متواليات الدم والتفجير والاغتيالات والعنف لن تحرر السجناء، ولن تفك حبل المشنقة عن أحد، بل ستُحكم الحبل حول أعناقهم.. ولن تُسقط الدولة بل ستزيدها عناداً وصلفاً وإجراءات استثنائية.. ولن تعيد «مرسى» إلى الحكم والشرعية.. فالشريعة وحقن الدماء أبقى من أى شرعية.. فلتذهب الشرعية إلى الجحيم إذا كان ثمنها آلاف القتلى والجرحى والأرامل واليتامى والثكالى والسجناء الذين يزداد وضعهم، سواء كلما دوت المتفجرات وزمجرت الرصاصات.
فليترك الجميع متواليات التفجيرات والإعدامات والاغتيالات والتصفيات والسجون.. ولنصنع جميعاً متوالية رحيمة حكيمة عطوفة رفيقة هى «متوالية الإحياء» «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».
ولنفعل جميعاً «متواليات العفو» التى حث عليها القرآن فى 19 آية «فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ» «فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ».
ولنذهب جميعاً إلى «متوالية الحب» التى غزا بها عيسى، عليه السلام، الكون كله حتى بلغ المنتهى فى الإحسان هاتفاً «أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم».
لقد كانت الكنيسة المصرية ذكية حينما قال قادتها بعد حرق الكنيسة بعد فض رابعة بالقوة «نحن نصلى من أجل الذين حرقوا كنائسنا».. فأعيدت الكنائس أفضل مما كانت، ولم يدخلوا فى صراعات أو حروب أو ثارات أو عداوات مع أحد.
ولو أنهم وقتها قالوا: «سنحرق من حرقها وندمر من دمرها.. ونقتل من آذانا»، لدخلوا فى دوائر الثأر والانتقام والكراهية ومعارك عبثية لا تنتهى.
فالحب والعفو أعظم قوة ناعمة على الأرض، والحب أقوى من كل أسلحة الأرض.. والعفو أمضى بأساً من الانتقام.
وقد بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالعفو عن قريش التى عذّبته وأصحابه مبلغاً لم يبلغه أحد.. إنه أقوى الناس وهو يغمد سيف الانتقام ويهتف بشعار العفو «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وهذا يوسف، عليه السلام، يخلّد ذكره فى أهل الأرض والسماء بعفوه عن إخوته وإحسانه إلى من أساء إليه «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
ازرعوا الحب بدلاً من المتفجرات.. ازرعوا الحب بدلاً من بناء السجون.. ازرعوا الحب بدلاً من الكراهية والصراعات السياسية حول مناصب زائلة.
المحب الرحيم أقوى إنسان، والكاره لا يكره خصومه السياسيين وحدهم، لكنه سيكره نفسه فى النهاية، وهو أضعف الخلق، وإن ملك مفاتيح الكون كله.
أحبوا الله «المحبوب الأعظم» سبحانه بحق، وهذا الحب سيجعلكم تحبون الناس جميعاً حتى خصومكم السياسيين.. وتحبون الناس جميعاً.
فماذا ستجنى إذا أظهرت عجز الدولة.. ماذا تجنى إذا فجرت كابل كهرباء أو قنصلية أو مبنى للشرطة؟
لن تجنى إلا السجون والمقت والكراهية والتضييق على أبناء وطنك وزرع اليتم بينهم.. وستحرّض خصومك وتؤزهم أزاً على الإساءة إليك وتعذيبك وقهرك وتجاوز كل القوانين والأعراف فى مواجهتك.
الحب يصنع الأصدقاء، والكراهية والمتفجرات والسجون تطفش الأصدقاء وتصنع العداوات.
الحب هو الذى يصلح للدعوة إلى الله.. والكراهية تقتل الدعوات.. الحب سيحل مشكلات الحركة الإسلامية، والكراهية والدماء ستعقدها.
الحب سيصنع للإسلاميين عرشاً دائماً على القلوب.. والكراهية والمتفجرات ستصنع حواجز من الكراهية والمقت، وستزيل كل النعم بعد أن أزالت العروش وحرقت المقرات وأدخلت الآلاف السجون.
الدعوة إلى الله «حب»، والهداية مبدؤها «الحب».. والخير كله فى «الحب».. والصلح أساسه «الحب».. والتوافق والتعاون أصله «الحب».. والفرج والسعة لن يأتى إلا بـ«الحب».

 

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل