رئيس التحرير

محمود مسلم

رئيس المحكمة الدستورية العليا: القضاء سند للحاكم حتى لو حكم ضده لأنه يعطى للدولة سمعة دولية تؤكد استقلال سلطتها القضائية

10:25 ص | الثلاثاء 26 مارس 2019
المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس المحكمة الدستورية العليا

المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس المحكمة الدستورية العليا

ظل القضاء المصرى على مر تاريخه حصناً وملاذاً لكل من يلتحف به، يبحثون فى محرابه وبين قاعاته عن العدالة، لكن تظل مشكلة بطء التقاضى عقبة فى طريق العدالة الناجزة، ثقباً فى منظومة العدل، لكن هذا الثقب لم يؤثر يوماً من الأيام على استقلالية ونزاهة القضاء، وهو ما يؤكد عليه دوماً الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال لقاءاته واجتماعاته مع القضاة.

"الوطن" تحاور شيوخ القضاء حول الملفات الشائكة (1-4)

وقف القضاء حائط صد أمام محاولات كثيرة لاختراقه من قبل الجماعة الإرهابية إبان توليها حكم البلاد عقب ثورة 25 يناير 2011، تمت محاصرته، والمطالبة بتطهيره، لكنه لم يكن يوماً أداة فى يد السلطان أو الحاكم، تصدر أحكامه مستندة إلى ما ورد فى أوراق الدعوى، وما استقر فى يقين وعقيدة القاضى. «الوطن» تحاور 4 من شيوخ القضاء، يتحدثون عن بطء التقاضى ومواجهة الإرهاب، والعلاقة بين القضاء والإعلام وعدد من الملفات المهمة.

«دستورية القوانين، وحصار المحكمة، والانتصار للمجتمع فى العديد من الأحكام الدستورية».. عناوين كبرى تصدرت أول حوار للمستشار الدكتور حنفى جبالى، رئيس المحكمة الدستورية العليا، مع صحيفة مصرية.

«جبالى» أكد لـ«الوطن» أن الأحكام التى صدرت بعدم دستورية القوانين أكثر من التى صدرت بـ«الدستورية»، فى إشارة وتأكيد على أن المحكمة هى الحارس على الدستور، تحمى ما تضمّنه من نصوص تكفل الحقوق لكافة المواطنين، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

المستشار الدكتور حنفى جبالى فى أول حوار صحفى: أحكامنا لصالح المواطن.. ونحمى الدستور والحريات

وتطرّق رئيس المحكمة إلى الفترة التى شهدت حصار المحكمة من قبَل الجماعة الإرهابية فى 2012، واصفاً تلك المرحلة بأنها «ذكرى سيئة فى تاريخ المحكمة»، لكن قضاة المحكمة لم يرهبهم ذلك واقتحموا بيتهم ليمارسوا مهمتهم دون فرض من أحد أو وصاية عليهم. ويشير المستشار الدكتور جبالى إلى أبرز ما تضمّنته توصيات المؤتمر الثالث لرؤساء المحاكم الدستورية والعليا الأفريقية، والذى احتضنته المحكمة فبراير الماضى، كما يكشف تفاصيل لقائهم بالرئيس عبدالفتاح السيسى عقب ختام المؤتمر.. إلى نص الحوار:

ما أبرز التوصيات التى صدرت عن المؤتمر الثالث لرؤساء المحاكم الدستورية والعليا الأفريقية؟

- أبرز هذه التوصيات أن مؤتمر القاهرة سيصبح فى شكل مؤسسى، أى إنه سيُعقد كل عام فى الربع الأول من كل سنة فى القاهرة تحت اسم «اجتماع القاهرة رفيع المستوى» الذى يضم رؤساء وأعضاء المحاكم الدستورية والعليا والمجالس الدستورية الأفريقية. وهذا سيتيح لنا إنشاء مركز تدريب هدفه تبادل الخبرات بين جميع قضاة المحاكم العليا فى القارة الأفريقية، كما ركزت التوصيات على موضوعات متعلقة بحماية البيئة ومكافحة الإرهاب، وحماية الفئات المهمَّشة، سواء المرضى أو المرأة أو الأشخاص ذوو الإعاقة، وكافة هذه التوصيات تدعم وتعزز أواصر العلاقات والتعاون بين دول القارة، خاصة أن هذا المؤتمر تزامن انعقاده مع رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى، كما تطرقت التوصيات إلى المنصة الإلكترونية القانونية التى تُعتبر نقلة نوعية، إذ تم إطلاقها لأول مرة فى المؤتمر الحالى، وهذه مرحلة أولى ستتبعها مراحل متقدمة بتعاون جميع الجهات مع الدول الأفريقية.

ننظر سنوياً ما يقرب من 500 قضية ونسبة الفصل فيها تقترب من 85%

كيف كان رد فعل رؤساء المحاكم الدستورية والعليا الأفريقية عقب لقائهم بالرئيس عبدالفتاح السيسى؟

- الرئيس السيسى رحب بجميع الوفود، وأكد لهم أن مصر جزء من أفريقيا، كما ركز الرئيس على اهتمام مصر بعلاقاتها بالدول الأفريقية جميعاً وأنها علاقة قائمة على المحبة والمصالح المتبادلة، وأكد لهم أن أهمية أفريقيا بالنسبة لمصر أهمية فائقة، وقد لاقى هذا الحديث ارتياحاً لدى الوفود الأفريقية، وعقب شرح الرئيس الموقف العالمى والموقف الداخلى فى مصر، شرح قضية فى غاية الأهمية تناولها المؤتمر وهى قضية الإرهاب وكيف أنها تهدد وجود الدولة ذاتها، وحذّر الدول الأفريقية من تفشى ظاهرة الإرهاب، والتى وصلت بالفعل لبعض الدول الأفريقية الشقيقة، ثم بدأت المناقشات والمداخلات مع الرئيس السيسى واستمع إليهم وأجاب عن تساؤلاتهم بالتفصيل وبسعة صدر.

ماذا تنتظر الدول الأفريقية من مصر فى مجال القضاء فى ظل رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى؟

- الدول الأفريقية تشيد بريادة مصر فى المجال القضائى، وبالتالى سيكون هناك برنامج متخصص للتدريب من أجل تبادل الخبرات فى المجالات الدستورية بوجه خاص والمجالات القضائية بوجه عام، ويشمل ذلك أحدث المبادئ القضائية وتنمية المعلومات فى تلك المجالات.

إنشاء مركز للتدريب وتبادل الخبرات بين جميع قضاة المحاكم العليا فى القارة الأفريقية

ما دور المحكمة الدستورية العليا وما طبيعة عملها؟

- المحكمة الدستورية العليا يبدو من اسمها أنها أولاً: محكمة، إذ تعمل مثل أى محكمة أخرى من خلال ملفات الدعاوى التى تُرفع إليها، ونحن متساوون مع جميع المحاكم فى هذا الصدد. ثانياً: محكمة دستورية، لأنها تبحث بصفة أساسية فى دستورية القوانين واللوائح الصادرة من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء ورؤساء الأجهزة فى الدولة. ثالثاً: عليا، لأنها تعلو سائر المحاكم لأن أحكامها وقراراتها تُنشر فى الجريدة الرسمية، ولها قوة الإلزام بالنسبة لجميع السلطات وللكافة، كما أنها تفض التنازع فى الاختصاص بين جهات القضاء، كما تفض التناقض بين الأحكام النهائية والباتّة الصادرة من جهات القضاء، والمحكمة الدستورية العليا تتكون من قضاة عملوا سابقاً فى القضاء العادى أو مجلس الدولة، وكذلك من الهيئات القضائية الأخرى مثل هيئة النيابة الإدارية أو هيئة قضايا الدولة.

ما طبيعة النزاعات والقضايا التى تنظرها المحكمة؟

- لنا عدة اختصاصات، نفصل فى دستورية القوانين واللوائح، نرى هل القانون أو اللائحة المطعون عليها متفقة مع نصوص الدستور أم لا، فإذا كانت متفقة مع نصوص الدستور نرفض الدعوى، أما إذا كانت مخالفة فنقضى بعدم دستورية القانون أو اللائحة لعدم اتفاقها مع الدستور، وبذلك نحن نحمى الدستور. المحكمة الدستورية العليا تُعتبر الحارس على الدستور، هذا اختصاص رئيسى، بجانب الاختصاصات الأخرى مثل فض التنازع بين جهات القضاء أو التناقض فى الأحكام النهائية الصادرة منها، مثلاً لو أن مواطناً له قضية منظورة أمام مجلس الدولة وفى نفس الوقت منظورة أمام المحكمة الابتدائية أو الاستئناف أو النقض، يظل حائراً ولا يعلم أى محكمة مختصة بنظر دعواه، فهنا يلجأ للمحكمة الدستورية العليا لجوءاً مباشراً دون أى محكمة أخرى، ويطلب منها تحديد المحكمة المختصة بنظر دعواه، وهنا تقضى المحكمة الدستورية العليا باختصاص جهة من جهتَى القضاء وتلتزم الجهتان بإعمال حكم المحكمة، ولو أن مواطناً صدر له حكمان متناقضان من محكمتين، مثلاً أحدهما من القضاء الإدارى بمجلس الدولة لصالحه، وحكم آخر ضده من القضاء العادى، ما هو الحكم الواجب تنفيذه؟ المواطن هنا يلجأ مباشرة للمحكمة الدستورية العليا، ويطلب منها تحديد أى الحكمين واجب التنفيذ، فالمحكمة تقضى بتعيين حكم من الاثنين ويصبح حكم الدستورية نافذاً وملزماً لجميع جهات القضاء ومؤسسات الدولة. وللمحكمة اختصاصات أخرى تتمثل فى تفسير النصوص التشريعية، والفصل فى المنازعات المتعلقة بشئون أعضائها، والمنازعات المتعلقة بتنفيذ أحكامها والقرارات الصادرة منها.

الرئيس السيسى حذّر رؤساء المحاكم الأفريقية من تفشى ظاهرة الإرهاب.. ودول القارة أشادت بريادة مصر قضائياً

ماذا تعنى بأن المحكمة الدستورية العليا حارسة على أحكام الدستور؟

- نحمى الدستور عن طريق عملنا القضائى، وليس من تلقاء ذاتنا نقول إن هذا القانون دستورى أو غير دستورى، يُعرَض علينا ملف القضية، سواء من المواطن بعد إبداء دفع أمام المحاكم بعدم دستورية النص، أو أن المحاكم تشك أو تستشعر أن النص القانونى غير دستورى، فتقوم بإحالة القضية للمحكمة الدستورية العليا بغير رسوم، ويتم بحثها بحثاً متأنياً فى جميع الحالات إلى أن يصدر الحكم فيها.

ما إجراءات نظر الدعاوى أمام المحكمة الدستورية العليا؟

- يتم أولاً قيد الدعوى فى الإدارة القضائية، ثم هناك إجراءات ومدد محددة يتبادل خلالها الخصوم المذكرات حتى يتمتعوا بحقهم فى التقاضى، ثم تُرسل القضية إلى هيئة المفوضين، وهى هيئة قضائية داخل المحكمة لإعداد بحث متأنٍّ ومحايد، ينتهى بالرأى، ثم تحال القضية إلى هيئة المحكمة، حيث تجرى بشأنها مشاورات ومداولات قبل الفصل فيها بالجلسة المحددة.

قضينا بعدم دستورية "العزل السياسى" لنواب رفضوا اتفاقية «كامب ديفيد».. ونترجم أحكامنا للإنجليزية والفرنسية

هل هناك إحصائية بعدد الطعون التى تنظرها المحكمة سنوياً.. وكم نسبة الفصل فيها؟

- المتوسط سنوياً حالياً زاد عن فترات البداية، لكن المتوسط السنوى تقريباً نحو 500 قضية، الإحصائية منذ نشأة المحكمة وصلت لـ9 آلاف قضية، القضايا التى لم يُفصل فيها بعد 1500 قضية، بنسبة فصل تقترب من الـ85%، وهذه النسبة غير دقيقة لأننا لم نحسب باقى الجلسات إلى نهاية السنة القضائية، لا يزال أمامنا قضايا يتم التداول فيها ولم نفصل فيها بعد، مما سوف يرفع الإنجاز إلى نسبة كبيرة جداً، لكن هذه النسبة لا تصل إليها أى محكمة دستورية فى العالم كله، هى نسبة عالية جداً، نتيجة جهد ومثابرة قضاة المحكمة الدستورية العليا وهيئة المفوضين، نتفوق فى الكم والكيف، لأن أحكامنا تلقى إشادة الدول الأخرى، وهى أحكام تدل على خبرة القضاة فى المحكمة الدستورية العليا.

كم عدد مستشارى المحكمة، وهل هو كافٍ لنظر جميع الطعون المتداولة؟

- الحكم يصدر من 7 قضاة، وعدد أعضاء المحكمة 14 قاضياً، والمحكمة مشكّلة من دائرة واحدة، ويتم توزيع القضايا على كل 7 أعضاء طبقاً للنصاب المطلوب، وبالتالى عددنا كافٍ، وعدد قضاة هيئة المفوضين 14 عضواً أيضاً.

اخترقنا حصار الجماعة الإرهابية للمحكمة الدستورية لنمارس عملنا

كيف تحمى المحكمة الدستورية العليا حقوق وحريات الأفراد؟

- من خلال نظرها للدعاوى التى تختص بها، المحكمة يأتى إليها ملف الدعوى ولا تنظر للخصوم فيها، وكل الدعاوى الدستورية الخصم فيها الحكومة، وهناك إحصائية مهمة لدينا أن عدد القضايا التى أصدرت فيها المحكمة الدستورية العليا أحكاماً ضد الحكومة وضد الدولة، أى بعدم دستورية القانون، أكثر وتتفوق على عدد القضايا التى رفضنا فيها الطعن بعدم الدستورية، والحكومة لا تتضايق من هذا لأن المحكمة الدستورية العليا إحدى مؤسسات الدولة، فهى تحمى الدستور وتظل محتفظة بمهمتها المقدسة.

خلال الشهر المقبل تحتفل المحكمة الدستورية العليا باليوبيل الذهبى للقضاء الدستورى فى مصر.. كيف ترى القضاء الدستورى خلال هذه المدة؟

- تاريخ المحكمة الدستورية خلال الـ50 عاماً مشرف ومزدهر، وهناك أحكام كثيرة فى مجال الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فى مجال الحقوق السياسية وهى حق الانتخاب والترشيح كان للمحكمة قضاء عظيم جداً فى إعطاء المواطن حقه فى مواجهة السلطة والدولة، مثل قضيتَى العزل السياسى والحرمان من الترشح لعضوية مجلس الشعب والمهددين بسقوط عضويتهم، سواء لكونهم من المشتغلين بالعمل السياسى أو المنتمين لأحزاب ما قبل ثورة يوليو سنة 1952، أو لمعارضتهم لاتفاقية كامب ديفيد، وهذه النوعية من القضايا قد تدفع القاضى إلى أن يرفض التصدى لها أو يخشى من نظرها، لكن على العكس تماماً تصدت المحكمة لها وقضت بعدم دستورية قانون العزل السياسى وأحقية هؤلاء النواب جميعاً فى عضوية مجلس الشعب رغم انتمائهم لأحزاب ما قبل الثورة أو اشتغالهم بالعمل السياسى حينذاك، أو بسبب معارضتهم لاتفاقية كامب ديفيد، أيضاً هناك قضايا أخرى متعلقة بحق الترشيح والانتخاب مثل قضية كان بها تفرقة بين المرشحين المنتمين لأحزاب سياسية ومرشحين مستقلين، حيث اقتصر القانون على منح المرشحين المنتمين للأحزاب السياسية فقط حق الترشح، وتصدت المحكمة للقضية وقضت بعدم دستورية هذا القانون لحرمانه غير المنتمين لأحزاب سياسية من الحق فى الترشح للانتخاب، وترتب على ذلك حل مجلس الشعب لأنه تشكل استناداً إلى نص غير دستورى. ومن هنا تظهر أهمية المحكمة الدستورية العليا، فهى تعيد التوازن للحفاظ على نصوص الدستور، والحكومة عقب هذا الحكم قامت بتعديل القانون وسمحت بدخول بعض المستقلين للترشح، ولكن أيضاً كان هناك عدم توازن بعد التعديل، حيث سُمح لمرشح مستقل واحد فى كل دائرة، وقضت المحكمة أيضاً بعدم دستورية النص المعدل لعدم وجود توازن بين المستقلين والمنتمين لأحزاب وأن هناك تحيزاً وتمييزاً ضد المستقلين، وقضت المحكمة بعدم دستورية النص وحل مجلس الشعب لمرة ثانية دون أن تعترض الحكومة أو تتضايق من المحكمة الدستورية أو تلغيها، لأنها تدرك أن المحكمة هى حامية الدستور، أيضاً هناك حكم مهم جداً يتعلق بالإشراف القضائى على الانتخابات، فى ظل دستور 1971، ولكن النص القانونى كان يجعل القاضى فقط يرأس اللجنة الخاصة بالاقتراع، بحيث يدخل غير القضاة فى الإشراف على الانتخابات، وتم الحكم بعدم دستورية هذا النص لتعارضه مع الدستور ولكونه يسمح بمشاركة غير القضاة فى الإشراف على الانتخابات، ولاقى الحكم احترام كل السلطات فى الدولة، وتم تعديل القانون بحيث أصبح الإشراف على الانتخابات للقضاة إشرافاً كاملاً.

القاضى المصرى محايد ومستقل وعادل ولا يفصل فى القضايا إلا من خلال ملف الدعوى.. ومحتفظون بمهمتنا المقدسة

كل هذه الأحكام تمثل فترات سابقة فى تاريخ المحكمة الدستورية العليا.. هل هناك أحكام حديثة فى مجال الحقوق السياسية؟

- هناك حكم حديث فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أول انتخابات لمجلس النواب تعطلت بسبب حكم المحكمة بعدم دستورية نصوص فى قانون مباشرة الحقوق السياسية كانت تميز دوائر انتخابية عن دوائر أخرى، بمعنى أن المواطن فى دائرة معينة تكون فرصته فى الانتخاب وليس الترشيح أقل من نسبة زميله فى دائرة أخرى من حيث توزيع عدد أصوات الناخبين فى كل دائرة، قمنا بحساب الأصوات وتم الحكم بعدم دستورية القانون، والحكومة عدلت القانون تنفيذاً للحكم وأُجريت الانتخابات مرة أخرى.

وماذا عن دور المحكمة فى حماية الحقوق الاقتصادية؟

- أصدرنا أحكاماً كثيرة تتعلق بحماية الحق فى الملكية مثل عدم دستورية قوانين الإصلاح الزراعى التى لم تكن تمنح أصحاب الأراضى تعويضاً عادلاً وكافياً عن الأراضى التى تم أخذها منهم، أيضاً فى مجال نزع الملكية أو الاستيلاء مثل استيلاء بعض الوزارات على مبانٍ للأبد، قضت المحكمة بعدم الدستورية لعدم وجود توازن بين حق المواطن فى الملكية وحق الحكومة فى الانتفاع بمرافقها العامة، وفى مجال الحفاظ على الحقوق الاجتماعية، أبرزها التأمينات والمعاشات، منها عدم دستورية نص كان يحرم من يتقاضى أكثر من معاش، لأن كل معاش مستقل بعناصره ويدفع الموظف أو العامل الاشتراكات عن كل فترة، ومن الأحكام البارزة حكم فى قضية تتعلق بحرمان الزوج فى حال وفاة زوجته من الحصول على معاشها بينما تحصل الزوجة على معاش زوجها إذا توفى، وقضت المحكمة بعدم دستورية هذا النص لتمييزه بين الرجل والمرأة.

أصدرنا أحكاماً بحل مجلس الشعب ولم تتضايق الحكومة أو الدولة لأنهما تدركان أن المحكمة هى حامية الدستور

إلى أى مدى استطاعت المحكمة الدستورية العليا أن ترسخ مكانتها بين المحاكم العليا فى الدول الأخرى، خاصة أن هناك إشادات كثيرة بالقضاء واستقلاله فى مصر؟

- صحيح.. أحكام المحكمة يتم ترجمتها للغتين الإنجليزية والفرنسية، وعقب إطلاق المنصة الإلكترونية القانونية على مستوى قارة أفريقيا ستصبح أحكام المحكمة الدستورية وأحكام المحاكم الدستورية والعليا فى أفريقيا منتشرة بشكل أكبر فى جميع دول العالم، وبالتالى دول العالم تطّلع على أحكامنا لترجمتها كما قلت للإنجليزية والفرنسية، فضلاً عن المؤتمرات الدولية التى أشارك فيها وزملائى من قضاة المحكمة، ولدينا أحكام كان لها صدى دولى خارج مصر، مثل أحكام عدم التمييز بسبب الديانة، على سبيل المثال أحكام الحضانة بالنسبة للمواطنين المسلمين تم تطبيقها دون تفرقة بين المسلمين والمسيحيين، وحديثاً لنا حكم من نحو سنة خاص بأحقية موظفة مسيحية فى الحصول على إجازة بمرتب كامل لزيارة القدس، بينما كان النص القانونى يقصر هذا الحق على الموظفين المسلمين الذين يحصلون على إجازة لأداء مناسك الحج، وكان الموظف المسيحى محروماً من هذا الحق ولكن المحكمة ردت هذا الحق للموظفين المسيحيين، أيضاً كان لنا حكم منذ أكثر من سنة لصالح الطائفة اليهودية فى الإسكندرية، ورغم قلة عددهم، لكن كان هناك نزاع بينهم وبين مجموعة من المواطنين المسلمين حول ملكية أحد العقارات أو الأراضى، وهذا الحكم كان له أثر كبير فى الخارج لأنه أنصف الطائفة اليهودية المصرية.

تقصد أن المحكمة تعطى الحق لمن يملكه دون النظر إلى ديانته؟

- لا ننظر إلا لملف الدعوى ومحتوياته والمعايير العلمية المتفق عليها طبقاً لمبادئنا المستقرة.

ما الفعاليات المقررة خلال المؤتمر الدولى؟

- فضلاً عن الاحتفالية ونشرها فى كل دول العالم المهتمة بهذا الشأن، سيكون هناك جلسات علمية مثل المؤتمر الأفريقى، ولكن على نطاق أوسع سنتناول فيها جميع المشاكل القضائية، خاصة ما يتعلق بالقضاء الدستورى على مستوى محاكم العالم.

كيف استطاعت المحكمة أن تواجه الهجمة الشرسة التى تعرضت لها خلال سنة حكم الجماعة الإرهابية، خاصة أن المحكمة تم حصارها خلال هذه الفترة؟

- كنا موجودين داخل المحكمة، وهذا الحصار يمثل ذكرى سيئة جداً، لأن القاضى المصرى محايد ومستقل وعادل ولا يفصل فى القضايا إلا من خلال ملف الدعوى ولا ينظر إلى المدعى أو المدعى عليه، سواء كان حكومة أو مواطناً، والأمثلة التى ذكرتها كثيرة وتؤكد هذا، أحكامنا القديمة ترتب عليها حل مجلس الشعب ولم تتم محاصرة المحكمة رغم أن السلطة وقتها كانت قوية وقابضة على الحكم، كان أسهل شىء أن تنكل السلطة أو تحاصر المحكمة، ولكن لم يحدث، وطوال 38 سنة هى فترة وجودى بالمحكمة الدستورية العليا لم أرَ مثل ما حدث، هذه أول علامة فارقة أن تحاصر المحكمة بسبب أحكامها، شىء غريب، كان لنا أحكام ضد الحكومة فى فترات سابقة على هذه الفترة وحكمنا فى العهد الحالى، وكل جلسة للمحكمة نحكم بعدم دستورية قوانين وقرارات صادرة من رئيس الجمهورية وقرارات صادرة من رئيس الوزراء وتُنشر هذه الأحكام فى الجريدة الرسمية ويتم احترام الأحكام، لأن القضاء فى النهاية هو سند للحاكم، وكل رئيس دولة متنور يعلم تماماً أن القضاء يسانده حتى لو حكم ضده لأنه يعطى للدولة سمعة دولية أن بها قضاءً محترماً مستقلاً، لا ينظر للمدعى أو المدعى عليه، وإنما ينظر لملف الدعوى فقط، بدليل أن أحكامنا تقابل بالإشادة دولياً ولا يستطيع أن ينتقد أحكامنا أحد فى الخارج.

كيف صمدتم أمام محاولات هدم المحكمة خلال فترة حصارها؟

- بالنسبة للمحاكم العليا والدستورية فى الدول المتقدمة هل نجد أى رد فعل من الحكام هناك على أحكام القضاء؟ بالطبع لا.. القاضى المصرى بصفة عامة شجاع ولا يخاف إلا الله لأنه يقضى بالعدل ويعلم تماماً أن العدل صفة من صفات الله، ولا ينظر لوقته الحالى وإنما ينظر إلى ما سوف يلقاه فى الآخرة، القاضى المصرى مؤمن وشجاع، فترة حصار المحكمة لا تؤثر فينا، كنا موجودين ننظر القضايا ونؤجل بعض القضايا الأخرى، ونتيجة الحصار تم تأجيل قضايا، ليس خوفاً من أحد ولكن حتى لا تكون هناك شبهة ضغوط نفسية وأيضاً لتعذر دخول المدعين والمحامين، كنا نقتحم بيتنا، وهو المحكمة الدستورية العليا، ودخلنا نمارس دورنا.

عرض التعليقات