حسن أبوطالب حسن أبوطالب أمريكا و«داعش»: حماية وتوظيف
الثلاثاء 19-12-2017 | PM 09:59

يوم الأحد الماضى لم يكن يوماً عادياً. فقد أعلن الكرملين عن اعتقال خلية إرهابية كانت تستهدف كاتدرائية كازانسكى فى سان بطرسبرج بناء على معلومات قدمتها الاستخبارات الأمريكية، وهى إحدى الكنائس الكبرى التى يرتادها أناس كثيرون من أتباع الكنسية ومن السياح. أما فى باكستان فقد حدث المحظور، إذ قام ثلاثة انتحاريين من «داعش» بتفجير كنيسة فى مدينة كويتا، جنوب غرب البلاد، خلال قداس الأحد، ما أودى بحياة 8 من المسيحيين البروتستانت وإصابة 40 آخرين. والحدثان وقعا قبل نحو أسبوع من أعياد الميلاد حسب التوقيت الغربى. والجامع بين الواقعتين هو استهداف الكنيسة، أما الفاعلون فمن «داعش»، حسب ما أعلن موقع «داعش» الدعائى «أعماق». وكانت مصادر تابعة لـ«داعش»، منتصف نوفمبر الماضى، هددت المسيحيين فى العالم كله بأنهم مستهدفون ولن يقيموا أعيادهم بل جنائزهم. والراجح أن هذه التهديدات ليست مجرد كلمات فى الهواء، بل مقدمة لأعمال مجنونة وشنيعة فى أكثر من بلد. ولنا فى مصر عبرة مما جرى فى الماضى القريب.

وفى الخامس من الشهر الحالى صرح الرئيس التركى «أردوغان» فى اجتماع حزبى بأن إرهابيين من (داعش) كانوا فى مدينة الرقة أرسلوا إلى مصر لاستخدامهم هناك فى صحراء سيناء. ولم يفصح الرئيس التركى عن الجهة التى قامت بإرسال هؤلاء الإرهابيين إلى سيناء المصرية. لكن العبارة شديدة الوضوح، فهناك جهة تولت الأمر وهناك من يريد زيادة التوتر والعمليات الإرهابية فى سيناء لأهداف باتت مفهومة للجميع. ويذكر هنا أنه أثناء تحرير الجيش السورى لمدينة الرقة ذكرت تقارير إعلامية، استناداً إلى معلومات روسية، رصد طائرات أمريكية قامت بنقل عدد من مقاتلى «داعش» بأسلحتهم وعائلاتهم إلى منطقة تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية التى تنال دعماً تسليحياً من واشنطن. وهناك تقارير أخرى تتحدث عن أن انتقال هؤلاء الإرهابيين أو بعضهم تم بطرق برية من خلال التسلل إلى الأردن ثم سيناء، والبعض الآخر من خلال تركيا إلى إسرائيل ثم سيناء. ومن سوريا صدر تقرير رسمى يضيف، بناء على معلومات نقلها معتقلون من «داعش» ومهاجرون أتوا من المناطق الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية، أن إرهابيين من «داعش» نقلوا إلى معسكر يخضع للأمريكيين بغرض تدريبهم وإعادة تأهيلهم ليشكلوا ما يسمى بجيش سوريا الجديد، على أن يتم إرسالهم إلى جنوب سوريا للاستمرار فى إزعاج الجيش السورى، بعبارة أخرى إعادة هيكلة «داعش» لاستمرار الخراب فى البلاد.

هذه المجموعة من الأخبار المتزامنة تؤكد أمرين؛ الأول أن هزيمة الدولة الإسلامية المزعومة فى العراق وسوريا لا تعنى هزيمة التنظيم ذاته بصورة نهائية، وحتى فى سوريا ما زالت بقايا التنظيم تعمل فى أماكن وبؤر متفرقة برعاية أمريكية، صحيح محدودة العدد ولكنها قادرة على إثارة التوتر والخراب وإيقاع القتلى والمصابين، خاصة فى منطقتى غوطة دمشق الشرقية والجنوبية. والغالب أن التنظيم موجود، وهناك قيادات ما زالت تعمل فى الخفاء، ولكنه يأخذ شكلاً جديداً فى العمل بعد أن تخلى عن استراتيجية بناء الدولة على قطعة أرض بعد التمكن منها. فقد ثبت فشل هذه الاستراتيجية، وأصبح الشتات أو الانتشار فى أكثر من بلد هو المرحلة الثانية. والأمر الثانى أن نهاية مرحلة فى عمر التنظيم تعنى فى الحقيقة بداية مرحلة ثانية، قوامها الانتقام من كل هؤلاء الذين تسببوا فى هزيمة مشروع دولة الخلافة المزعومة. لكن يظل هناك جزء خفى فى الأمر، يتعلق بأن هناك دولاً وجهات استخبارية كانت على اتصال قوى بقيادات «داعش»، يشمل التمويل والتوجيه وتقديم الاستشارات. بعض التفسيرات المتداولة تقول إن هذه الاتصالات كانت نتيجة اختراقات حققتها عناصر استخبارية تم زرعها فى عمق هيكل التنظيم للتحكم فى حركته وتوجيهها نحو مصالح تلك الدول والجهات، وبحيث يتم ضمان ألا تقوم عناصر «داعش» بأى أعمال إرهابية فى داخل تلك البلدان. ومن المرجح أيضاً أن تكون هذه الاختراقات بسبب الرغبة فى السيطرة على عمل التنظيم بعد مرحلة هزيمته العسكرية وتشتته وتوظيف عناصره المشتتة فى أعمال وضغوط على دول بعينها. والتفسيران واردان بقوة، وإشارة «أردوغان» إلى إرسال عناصر «داعش» إلى سيناء تؤكد هذا المعنى، كما تدل على أن هذه الجهات ملتزمة سياسة ممارسة الضغوط وتكثيفها على مصر، وتوظيف الإرهاب والإرهابيين لهذا الغرض.

وفى دراسة أوروبية حديثة نشرها موقع الأمن القومى «ناشيونال إنترست»، مطلع نوفمبر الماضى، حول مصير «داعش» بعد هزيمته فى العراق وسوريا، ذكر أن الافتراض القائل بأن هزيمة «داعش» ستؤدى إلى تشتت التنظيم ليس دقيقاً، فقد ثبت أن التنظيم وقبل أن يعلن دولة الخلافة المزعومة فى صيف 2014، كان قد أنشأ ما يسمى بفرع العمليات الخارجية لغرض تأسيس البنية التنظيمية الأساسية لتوسع التنظيم وبناء شبكته حول العالم، وأن التحقيقات مع بعض منفذى العمليات الإرهابية فى المدن الأوروبية فى بداية العام الحالى أكدت تدريبهم فى ليبيا، وبما يؤكد نقل مقرّ فرع العمليات الخارجية للتنظيم إلى ليبيا. ووفقاً للدراسة فإن الطبيعة السرية والمجهولة لأعضائه وأماكن وجودهم وطرق التواصل فيما بينهم وأساليب العمل كلها ما تزال مجهولة مما يصعب من مهمة استهداف هذا الفرع وحرمانه من ملاذه. وهو ما دفع مؤسسة راند البحثية، وثيقة الصلة بالجيش الأمريكى، إلى الاستنتاج فى تقرير نشر منتصف الشهر الحالى بأن من المبكر الإعلان عن نهاية «داعش» كتنظيم، لأن أسباب حدوث فراغات أمنية فى العراق وسوريا وليبيا موجودة وبقوة، مما يسمح بعودة التنظيم إلى النهوض مرة أخرى.

ما سبق هو مجرد قليل من كثير مرعب ينتهى إلى القول بأن العالم مقبل على مرحلة إرهابية قد تأخذ شكل الأعمال الفوضوية المتفرقة، ولكنها فى الواقع تتم وفق تخطيط وتوجيه مُحكم من عناصر قيادية فى التنظيم. وإذا ربطنا بين ما ذكر آنفاً من تقديم الاستخبارات الأمريكية معلومات لروسيا ساعدتها فى القبض على عناصر إرهابية ومنع عملية كبيرة، وبين قيام الطائرات الأمريكية بنقل عناصر من «داعش» إلى مكان مجهول، ثم يتضح أن جزءاً منها أرسل عمداً إلى سيناء، يصبح الاستنتاج المنطقى أن الولايات المتحدة لديها خيوط اتصال عميقة مع هذا التنظيم الإرهابى، كما يصبح توظيفه أمريكياً أمراً مقبولاً لأهداف أمريكية بحتة، حتى لو أخذت شكل التعاون فى منع عمل إرهابى كبير فى بلد يعتبر معادياً نسبياً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل