خالد عكاشة خالد عكاشة إرهاب الإخوان.. القصة الكاملة من اللجان النوعية إلى الإسكندرية (3)
الإثنين 09-04-2018 | PM 10:02

فى المقال السابق وقفنا عند خروج المنتج الفكرى «فقه المقاومة الشعبية» الذى يؤصل لجماعة الإخوان استخدام «العنف المسلح» كمنهج ووسيلة لتحقيق أهداف الجماعة. كان الكتاب قريب الشبه من كتيبات ونشرات التنظيمات التى تأتى تحت مصنّف «السلفية الجهادية»، والأقرب إليها كنموذج هو فقه ومنهج «الجماعة الإسلامية» المصرية فى مرحلة توهجها الحركى، وأيضاً بعض من النسخ والفروع من التنظيمات التى تدور فى فلك فكر «القاعدة»، رغم أن الإخوان ظلوا لعقود يقدمون أنفسهم لأتباعهم وللأجهزة الأمنية المحلية والدولية باعتبارهم مناقضين لهذا «الفكر المسلح»، وكثيراً ما كانت البيانات والفتاوى تصدر عن تلك التنظيمات المشار إليها بتكفير الإخوان ومنهجهم وأعضائهم، وهذا كان يضفى بعض المصداقية على الطرح الإخوانى، رغم أن واقعياً الصلات فى مصر وخارجها لم تنقطع يوماً، ولم يعدم احتياجهما لبعضهما البعض فى خدمات سرية وأدوار متبادلة.

لذلك لم يكن صعباً أن يعبر الإخوان سريعاً إلى الضفة الأخرى، فتحت ذريعة محنة ثورة يونيو والقبض على قيادات الجماعة، ومع اعتبار «محمد مرسى» حاكماً شرعياً بـ«بيعة شرعية صحيحة»، يصبح حمل السلاح فى وجه من عزلوه يأتى وفق مبدأ «رفض الحاكم المتغلب»، حتى وإن لم يكن هناك حاكم، وأن العزل كان شعبياً بثورة كاملة الأركان، فأمكن اعتبار الشعب المصرى جميعه، ومن وافق وساهم فى العزل، بمثابة «الحاكم المتغلب» الذى يجب مقاومته بـ«السلاح»، وفق منهج: «الإرباك، والإنهاك، والإفشال، ثم السيطرة على المفاصل، وبعدها إسقاط النظام»، وهذا ما احتواه بالخطط والتأصيل وصياغة المنهج كتاب «فقه المقاومة الشعبية».

حاولت جماعة الإخوان فى البداية التنصل من الكتاب أو تجاهل التعليق على نسبته إليهم، فرغم وجوده على كافة المواقع المعنية بشئون وأخبار الإخوان، حرصت أن يبقى للأمر مسحة من الغموض، حتى ظهرت قيادات إخوانية بعد شهور من تداوله لتعلن من منصات إعلامية بتركيا بإجابات صريحة أن نخبة فكرية وشرعية، بإشراف من «محمد كمال» قائد «اللجان النوعية»، هى من قامت بإنجاز هذا الكتاب فى مدة لم تتجاوز 6 أشهر. جاء هذا الاعتراف فى غضون خلاف حاد كانت تشهده أجنحة الجماعة بعد قيام «اللجنة الإدارية العليا» بتوزيع نسخ للكتاب على غالبية مناطق و«شُعب» الإخوان، مما أثار ذعر وغضب الجناح العجوز فى تركيا، فقد كان هذا الأخير يرى أن «اللجنة الإدارية العليا» وقيادة كمال لها، يجب أن تظل فى نظر الأمن وأعضاء الجماعة، كياناً مؤقتاً يدير شئون الجماعة الروتينية، من دون التطرق للقرارات التنظيمية، أو كشف هذا العمل الحركى المستهدف لـ«العنف المسلح».

ذهب حينها المراقبون والعالمون بشئون الإخوان إلى أن خلاف أجنحة الجماعة لم يكن سوى اختلاف على شكل إخراج المشهد للعلن، فضلاً عن تضارب فيما يخص توقيت الكشف عن هذا المنهج. واعتبر البعض أن هناك صراع أجيال محدوداً، سرعان ما سيتم توفيق أوضاعه التنظيمية. لكن ربما الأمر كان أعمق من تلك التأويلات، بالنظر إلى أن «محمد كمال» راهن على ما هو أبعد من ذلك، فخلال عامَى 2015 و2016 ظل «كمال» وحده المتربع على رأس العمل التنظيمى، مع تمتعه بحرية حركة نسبية مقارنة بآخرين من جيل الشيوخ الذين توزعوا على ثلاثة أوضاع تقيدهم وتعزلهم بشكل كبير (الحبس والخضوع لمحاكمات، الهروب لخارج مصر، الاختباء التام داخل مصر). لذلك عمل «محمد كمال» على صناعة واكتساب ولاء تيار كبير داخل الجماعة، ونجحت تحركاته إلى حد كبير، خاصة بمعاونة قيادات جيل الوسط والدوائر الشبابية التى كانت تجوب فروع المحافظات فى إلحاح وترويج ذكى استثمر المحنة وفقدان البوصلة للأعضاء، كى يتم تشكيل ما أطلقوا عليه «التيار الثورى».

مكتب الإرشاد العام لـ«التنظيم الدولى» استشعر خطراً كبيراً مع بدء توزيع كتاب «فقه المقاومة الشعبية»، ليس للأمر ذاته بل لتوابعه الانشقاقية، فقد ارتكز خطاب المروّجين الشباب لمفهوم «التيار الثورى» على إلقاء تبعة الفشل الذى أوصل إلى محنة يونيو 2013 والطرق المسدودة بعدها تجاه قيادات مكتب إرشاد مصر وحلفائهم من «التنظيم الدولى». وتعرّض هؤلاء إلى انتقادات مريرة ظلت هى الشغل الشاغل للأجيال التى تلقّفها «كمال»، بعد أن وجدت نفسها فى مساحة هائلة من الفراغ التنظيمى، من دون تلقى إجابات تسكّن تبعات الأزمة.

لذلك سعى «التنظيم الدولى» سريعاً لمحاولة ضبط الإيقاع وسحب البساط قليلاً من تحت أرجل «التيار الثورى»، فقد وصلت التقديرات الداخلية للإخوان إلى أن هذا التيار يحوز ما لا يقل عن نسبة «75%» من الأعضاء، وبدا لهم أن «محمد كمال» فى طريقه لإحداث أكبر عملية تصدُّع قد تشهدها الجماعة، من خلال دفعه بكتلتها الكبيرة الأساسية إلى توظيفها ككيان كبير يعتبر «العنف المسلح» الصريح والمعلن والمؤصَّل فكرياً وشرعياً هو المنهج الذى سيعمل تحت رايته كافة أعضاء الجماعة، فى فصل حركى جديد، لم يكن «التنظيم الدولى» مستعداً أو حسم بعد أمر الولوج فيه.

ذهب «التنظيم الدولى» أمام ذلك إلى إطلاق ما سُمى حينها «التيار الإصلاحى» فى مقابل «التيار الثورى»، حيث بدأ يولى اهتماماً للتعاطى مع أسئلة الأعضاء الحائرين، وبدا وكأنه يملك تأييد القيادات التاريخية، ودفع أيضاً تجاه العودة للقيادات المحبوسة، لاستطلاع آراء النزوع للعنف المسلح، بل بدأ «التيار الإصلاحى» يحاول محاصرة كتاب «فقه المقاومة الشعبية»، حيث منع بعضهم وصول النسخة الكاملة من الكتاب إلى بعض المناطق التى كان لا يزال يحظى فيها بنفوذ وصلات مؤثرة، وظهرت نسخ أخرى من الكتاب، تم تنقيحها على عجل، كى تفى بالمطلوب وبما استقر عليه «التنظيم الدولى».

عما استقر عليه «التنظيم الدولى»، ومكتب الإرشاد العام بإسطنبول وما كانوا قد بدأوا اعتماده كى يسيطروا على النشاط المسلح الذى لم يكن مرفوضاً لديهم ولم يتنازلوا عن خيار اللجوء إليه.. سيدور حديث الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

تعليقات الفيس بوك

عاجل