حسين القاضى حسين القاضى حتى لا يُستباح الحمى
الثلاثاء 28-08-2018 | PM 09:58

مع ازدياد الأخطاء اللغوية والإملائية التى تعج بها الصحف وصفحات التواصل الاجتماعى أوردت بعض الصحف خبراً يقول إن مجمع اللغة العربية أعد مشروع قانون لتجريم الأخطاء اللغوية، يُلزم الصحف والمؤسسات بعدم استخدام اللغة العامية، مع فرض غرامة على الجهات المخالفة لذلك، كما اشترطت إحدى المواد عدم قبول أى متقدم لوظيفة إلا بعد اجتياز امتحان فى اللغة العربية. وفى مقال بجريدة «المصرى اليوم»، يوم الأحد 26 أغسطس 2018، بعنوان: «لغتنا المصرية الجميلة» كتب الأستاذ «وجيه وهبة» معلقاً على هذا الخبر يقول: «تجريم… إلزام… غرامة.. هكذا يتوهمون أنهم بتلك الوسائل يدافعون عن اللغة العربية، فهل حماية اللغة العربية الفصحى لا تتم إلا بمحاصرة وتجريم العامية المصرية؟ ففصاحة البيان والصورة فى عامية (بيرم) و(جاهين) هى أفصح من فصاحة الألفاظ الاصطلاحية التقليدية القديمة التى يرصها الكثيرون ممن يسمون (شعراء الفصحى)».

وهكذا تبدو بوادر تجدُّد معركة قديمة حول الفصحى والعامية كتب فيها «لويس عوض»، ورد عليه «محمود شاكر» فى معركة شهيرة، كان من أفضل ما كُتب فى القضية كتاب الدكتورة «نفوسة زكريا»، وعنوانه: «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها فى مصر»، حيث تناولت فيه أخطار إلغاء قواعد النحو أو تبديلها، وهو الكتاب الذى قال عنه محمود شاكر: «لا أظننى قرأت فى هذا الدهر كتاباً ينبغى لكل عربى أن يقرأه من ألفه إلى يائه يضارع هذا الكتاب، ولو كان الأمر بيدى لأمرت أن يُطبع ليكون فى يد كل شاب وشابة».

ومؤخراً دعا أحد المفكرين -فى كتاب صدر له مؤخراً- إلى إضافة بعض القواعد مثل عودة الضمير على ما بعده، ممثلاً بعبارة: «بعد الحصول على جائزته صرح الكاتب الفلانى بكذا...»، فالضمير هنا راجع للكاتب وهو متأخر، وهذا اقتراح يضر بالعربية، إذ لا توجد ضرورة تقتضى وضع قاعدة تقول بعود الضمير على المتأخر، لأن اللغة لها وضع مستقر من خلال النص القرآنى الحكيم، ولا توجد مشقة فى المضىّ على كلام النحويين فى مسألة الضمير، وقد أجازوا مسألة عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة بشروط؟

والمقصود أن «مجمع اللغة العربية» من حقه أن يتقدم بالقوانين التى تكفل حماية اللغة، ومواجهة دعوات «الهرب» منها، ولكن الحصافة تستلزم ابتعاده عن الإجراءات المتسرعة، والأساليب الإجبارية الإلزامية فى أغلب الأحوال.

إن سن قانون بعدم قبول أى متقدم لوظيفة إلا بعد اجتياز امتحان فى اللغة العربية هو أمر أراه مهماً وجيداً من وجهة نظرى، بشرط أن يتم بصورة ترتيبية تراعى حال المتقدم ومؤهله ونوع الوظيفة المتقدم لها، فكما أنه لا يجوز التقدم لشغل وظيفة إمام مسجد إلا بعد اجتياز امتحان اللغة العربية فإن من غير المقبول أن يُمتحن فى اللغة المتقدم لوظيفة عامل مثلاً، ولو أن ضباط الشرطة كانت عندهم خلفية لغوية لاكتشفوا بسهولة منابع التطرف، وفى المقابل يجب أن يُعلم أن العامية المصرية لها مكانتها وجذورها وجذوتها وأهميتها التى لا تنكر، ولا يمكن الاستغناء عنها فى التعامل اليومى، بل إنها لغة شديدة التطور.

والحاصل أن الاهتمام بالنحو واللغة العربية كان متزامناً مع النهضة العامة التى كانت آخذة فى النمو والاتساع فى علوم العرب وفنونهم، وأن ما ذكره الأستاذ «عبدالمعطى حجازى» من أن النهضة اللغوية والأدبية لا تجتمعان مع الاهتمام بالنحو، هذا الكلام قد أبطله غير واحد، منهم الدكتور «محمود الطناحى» فى مقالات كتبها بعنوان: «النحو العربى والحمى المستباح».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل