حسن أبوطالب حسن أبوطالب إسطنبول تهزم «أردوغان» مجدداً
10:02 م | الثلاثاء 25 يونيو 2019

بالرغم من كونها انتخابات بلدية، إلا أنها تحمل دلالات ومضامين سياسية بامتياز. تلك هى انتخابات بلدية إسطنبول، المدينة الأكبر والأشهر فى تركيا، ذات الـ16 مليوناً من السكان، والأكبر فى النشاط الاقتصادى والسياحى ونسبة الدخل القومى التى تناهز الـ32 فى المائة. وحين قال «أردوغان» بعد ضغوطه الكبيرة على المجلس الأعلى للانتخابات فى أبريل الماضى والتى ألغت فوز أكرم إمام أوغلو آنذاك «إن من يفوز فى إسطنبول يفوز برئاسة تركيا»، كان قولاً صحيحاً بالنسبة للعقدين الماضيين، ولعلها نبوءة قد تتحقق فى انتخابات الرئاسة المقبلة فى 2023، والتى يبدو أن إمام أوغلو، الفائز برئاسة بلدية إسطنبول للمرة الثانية وبفارق 800 ألف صوت، بعد أن كان الفارق فى الجولة الماضية فى حدود 13 ألف صوت فقط، يبدو أنه الأقرب ليكون المنافس الرئيسى والشرس بالنسبة لـ«أردوغان» نفسه، والذى يعتبر نفسه وحزبه أكبر من الهزيمة، لكن الأقدار فرضت إرادتها وأنهت تلك الأسطورة جزئياً على الأقل.

زيادة فارق الفوز بين بن على يلدريم، مرشح حزب العدالة والتنمية، وإمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهورى، كما حدث فى انتخابات الإعادة يوم الأحد الماضى لا تخلو من دلالة مهمة فى سياقين متكاملين؛ الأول يتعلق بحالة الغضب التى تسود بين المواطنين الأتراك تجاه سياسات الرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية سياسياً واقتصادياً. ففى الشق السياسى والحريات فقدت تركيا فى السنوات الخمس الماضية، تحديداً بعد التعديلات الدستورية التى أقرت نظام الحكم الرئاسى، سماتها التعددية الحزبية، ووقعت ضحية الشمولية الأردوغانية، وباتت خاضعة لنظام الرجل الأوحد والحزب المهيمن، ما أدى إلى جمود سياسى وتراجع فى الحريات السياسية والشخصية معاً. فضلاً عن إشاعة الاستقطاب الأيديولوجى بين مكونات المجتمع التركى، خاصة ضد الأكراد والقوميين. وفى الآن نفسه جلبت المغامرات العسكرية التى تورطت فيها تركيا فى سوريا وفى مواقع عديدة فى الشرق الأوسط، حالة نفور إقليمى من «أنقرة» وقيادتها السياسية، ووصلت العلاقات التركية الأمريكية إلى مستوى غير مسبوق من التوتر فى أكثر من ملف وقضية، ما ضغط على الأداء الاقتصادى الذى دخل فى حالة ركود منذ أكثر من عام، وصنفته المؤسسات الدولية بأنه سلبى وعالى المخاطر بالنسبة للاستثمارات، وهو ما أظهر التأثير السلبى لمغامرات «أردوغان» الخارجية وسياساته وطموحاته التى لا نهاية لها فى السيطرة على كل شىء وبأى ثمن، وتحقيق مجد شخصى على حساب مصالح الشعب التركى ككل.

السياق الثانى يتعلق بأسلوب إدارة الانتخابات التى اتبعها أكرم أوغلو، حيث سعى إلى توحيد المعارضين وتشكيل جبهة عريضة تؤيد إعادة ترشيحه وإسقاط مرشح العدالة والتنمية، وتجنب خطاب الاستقطاب السياسى الذى برع فيه «أردوغان»، وركز على إعطاء جرعات الأمل فى التغيير وفى مواجهة التسلط الأردوغانى وتزييف إرادة الناخبين الحرة التى عبرت عن نفسها فى الجولة الأولى الملغاة. وبينما كانت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الخاضعة لتوجهات حزب العدالة والتنمية منحازة تماماً لمرشح «أردوغان»، ولم توفر أى مساحة إخبارية لمرشح المعارضة وكأنه ليس موجوداً، فقد استطاع بحكمة توظيف وسائل التواصل الاجتماعى لكسر الحصار الإعلامى الرسمى، الأمر الذى ساعده على كسب تأييد أكبر حقق له فوزاً مريحاً وكبيراً.

أداء أكرم أوغلو على النحو السابق كشف الغطاء عن خطورة الاستقطاب الدينى الذى مارسه «أردوغان» والذى لخصه بجملة أن فوز مرشحه فى الانتخابات البلدية يعنى فوز الإسلام. جملة تجسد المدى الخطير الذى وصلت إليه قناعات الرجل، حيث دمج الإيمان والدين كله بمجرد أن يحقق مرشحه المفضل فوزاً فى انتخابات يمكن أن تأتى بنتائج عكسية. عمى الألوان السياسى والدينى الذى يعبر عنه «أردوغان» هو نفسه عمى الألوان الذى يصيب ويتمكن من كل منتسبى جماعات الإسلام السياسى إلى الحد الذى يفقدهم الحد الأدنى من التوازن العقلى والنفسى تجاه الدين والالتزام بتعاليمه. والمفارقة التى صنعها القدر باقتدار أن أكرم أوغلو، رغم انتمائه لحزب الشعب الجمهورى الموصوم بالعلمانية والنظرة المرنة للالتزام الدينى، فمعروف عنه شخصياً الالتزام وحُسن التدين، ومع ذلك لم يرصد أحد خلال حملته الانتخابية لجوءه إلى شعارات دينية كالتى لجأ إليها «أردوغان» وحزبه، ولم يَعدْ ناخبيه بأن يكون فوزه إن حصل فوزاً للإسلام أو لغيره من الأديان. لقد نظر بواقعية إلى طبيعة المنافسة فى الانتخابات، وكيف أنها تهدف إلى ترقية مصالح الناخبين والعمل على تحسين أوجه الحياة المختلفة فى المدينة التى يعيشون فيها. فكان أن سانده الناخبون بوعى وتعقل يحسب له ولهم.

وفى كلا السياقين تجسد نتائج الانتخابات البلدية، وما رافقها من مظاهر فرح عارمة فى إسطنبول وفى مدن تركية أخرى، رسالة احتجاج عبر صناديق الانتخابات، ودليلاً على الرغبة الجارفة لدى الأتراك للتخلص من سطوة «العدالة والتنمية» ورئيسه «أردوغان». انتخابات إسطنبول صفعة كبرى لها ما بعدها.

كيف سيواجه «أردوغان» وحزبه المهزوم تلك الرسالة؟ هذا هو السؤال الأهم الذى تزخر به وسائل الإعلام التركية، وتدور حوله مناقشات حتى داخل «العدالة والتنمية» نفسه. وكان هذا الجدل قد دار على استحياء بين رموز سياسية وحزبية بعد النتائج الضعيفة التى حققها الحزب فى الجولة الأولى من الانتخابات البلدية، حيث فقد فيها رئاسة أهم ثلاث مدن، هى إسطنبول وأنقرة وأزمير، بعدها وعد «أردوغان» بمراجعة العديد من السياسات، وتحدث عن الإصلاح داخل حزبه والانفتاح أكبر على المعارضة التركية. وكانت مجرد وعود فى الهواء، لم يتحقق أى منها على أرض الواقع، بل على العكس مارس ضغوطاً هائلة على الهيئة الرسمية للانتخابات من أجل إلغاء فوز إمام أوغلو برئاسة البلدية بزعم الشوائب فى رصد النتائج وعد الأصوات. كان رهانه الدفين يتصور أن الإعادة سوف تعيد الاعتبار مرة أخرى له شخصياً ولحزبه ولمرشحه «يلدريم»، ومن ثم يستند إليها فى تجاوز كل وعوده عن الإصلاح الحزبى الداخلى وتعديل السياسات.

الثابت أن شخصية «أردوغان» السلطوية هى أكبر عائق أمام تعديل أو تغيير فى توجهاته إزاء أعضاء حزبه أو تجاه الأحزاب الأخرى وعموم المواطنين الأتراك، الأمر الذى سيؤدى إلى تراجع حزبه وتراجعه شخصياً فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. فقد أثبت الناخبون فى إسطنبول أنهم أكثر وعياً من كل زيف وجدل حاول «أردوغان» أن يغرقهم فيه. تركيا أمام بداية حركة وعى جمعى سيكون لها شأن فى استعادة تركيا المتوازنة سياسياً ومجتمعياً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل