د. ناجح إبراهيم د. ناجح إبراهيم «أم موسى» عليه السلام.. عظمة الأمومة
الإثنين 19-03-2018 | PM 09:58

اصطفى الله الرسل واختار لهم الأرحام الشريفة التى حوتهم والوعاء الأسرى الكريم الذى نشأوا فيه واختار لهم أصحابهم وحوارييهم، وقد استفاض القرآن فى شرح أدق الخلجات الإنسانية فى لحظات الميلاد للنبى الكريم «موسى»، ولحظات الألم القاسية والمؤلمة التى عاشتها أمه عليهما السلام.

كانت «أم موسى» تعلم أن وليدها قد يُذبح بعد ولادته، خصوصاً بعد قرار فرعون بذبح أطفال بنى إسرائيل بعد علمه بأن وليداً منهم سيزيحه عن ملكه.

وُلد موسى وكل الأخطار تُحدق به وبأسرته، والموت يطل عليه من كل مكان، فالقابلات يتلصصن للإبلاغ عن كل مولود. «أم موسى» خائفة لا تدرى أتفرح بوليدها أم تحزن لقرب موته المحتوم، تحتار كيف تخفيه أو كيف تحجز صرخته الطفولية لكيلا تصل إلى الجيران، لا حيلة لديها للدفاع عنها وليس معها سوى ابنتها، أغفل السياق القرآنى دور الأب، ربما مات أو كان ممن سخرهم فرعون فى الأعمال الشاقة.

هنا تتدخّل العناية الإلهية لإنقاذ نبى بنى إسرائيل المنتظر وتلقى فى روع الأم تصرفاً لا يخطر ببال أحد ولم يتكرر عبر التاريخ «وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى».

سمع الله دقات قلبها المتسارعة وخوفها المتصاعد وقلقها اللانهائى، أرضعيه وأشبعيه أولاً، ولا تخافى ولا تحزنى، فقدرة الله فوق الجميع ورعايته التى جعلت النار برداً وسلاماً على «إبراهيم» ستحول البحر اللجى مهاداً رقيقاً لـ«موسى».

لكن هل يطاوع قلب الأم إلقاء وليدها إلى نهر النيل، إنه الوحى الذى لا يملك المؤمن تجاهه إلا الامتثال، لقد شرف نهر النيل بكونه مهداً حنوناً لنبى عظيم من أولى العزم من الرسل.

الصندوق يتوقف أمام قصر فرعون، وتراه زوجته المؤمنة فتأمر بالتقاطه، «أم موسى» تخاف على وليدها من فرعون فإذا به يصل إلى قصره، وكأن الذى حدث مع جده «يعقوب» يتكرّر معه «أخاف أن يأكله الذئب»، فقالوا له بعدها «أكله الذئب».

وها هنا «أم موسى» تخفيه عن فرعون فإذا به يصل إليهم وفى كلتا الحالتين كان الله يدخر مستقبلاً عظيماً لـ«يوسف» الجد و«موسى» الحفيد، كلاهما تربّى فى بيت السلطة، وتعلم منها الحسن وترك القبيح، وكلاهما أصبح رجل دولة، الجد فى الاقتصاد والحفيد هو نبى وقائد بنى إسرائيل العظيم.

«موسى» الرضيع لدى فرعون الآن، هكذا قالت أخته لأمها، ارتاعت الأم أكثر من ذى قبل، ومنعها إيمانها من لوم نفسها، لكن الفرج يقترب من الوليد ورحمة الله تدركه مع كلمات امرأة فرعون «قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذهُ وَلَداً»، حمى الله «موسى» الرضيع بالمحبة، وهو أقوى من كل سلاح، حمته تلك المرأة الصالحة بحبها الجارف المتدفّق الذى هزمت به قسوة فرعون وجبروته، فالصالحون والرحماء فى كل مكان.

قالت «قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ»، فرد عليها أما لك فنعم، وأما لى فلا، ولو أنه أمن على دعائها كاملاً لصار فرعون من الصالحين، لكنه رفض، فحيل بينه وبين الحب للنبى المنتظر والهداية على يديه.

عاد الحزن والألم والكرب يدق باب قلب «أم موسى» على وليدها الغائب، لا تدرى ما تقول أو تفعل، وهل ما فعلته كان صواباً أم خطأ «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً» أعظم تعبير قرآنى يعبّر عن خلجات نفسها.

«فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً»، لحظات تمر بكل إنسان يمر بكرب شديد لا يدرى ماذا يصنع فيه، يتوقف عقله عن التفكير فى الحل.

«إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا» فمن شدة حيرتها كادت أن تهتف فى الناس هذا طفلى، هذا صغيرى، أنا من ضيّعه، لكن الذى أوحى إليها بالإلقاء فى اليم ربط على قلبها وثبّتها بالصبر والرضا.

شعور يتكرر مع كل أم شهيد أو مريض أو مصاب بالسرطان، أو مات، أو أصيب فى حادث بشع، تكاد تهلك من الجزع والصدمة وإذا برحمات الله وبركاته تهدهد قلبها وتربط عليه برباط الصبر واليقين.

وأمرت ابنتها بأن تقتفى أثره فى حذر وحيطة، وإذا بالألطاف الربانية تتدخّل لتعيد الوليد إلى أمه «وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ» أخته «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ»، «فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حق».

عاد الطفل الغائب إلى حضن أمه الدافئ بتدبير ربانى، حيث رفض كل المراضع، حتى أرشدتها أخته إلى أمه فالتقم ثديها فوراً، عاد الطفل إلى أمه التى غمرها آل فرعون بالمرتبات والهدايا، فجمع الله لها كل الخيرات، ترعى وليدها مطمئنة عليه معافى فى بدنه مرموقاً لدى الناس، يحميه فرعون وترعاه وتحبه امرأته.

تعليقات الفيس بوك

عاجل