التهديدات فى دوائر الأمن القومى المصرى

السبت 30-01-2016 AM 10:57
التهديدات فى دوائر الأمن القومى المصرى

سد النهضة أحد تهديدات الأمن القومى المصرى الذى تسعى الإدارة السياسية لتجنب مخاطره فى الفترة المقبلة

بصفة عامة فإن دوائر الأمن القومى لأى بلد من بلدان العالم لا تتصف بالثبات فى قدر تأثير كل دائرة سواء من عناصر القوى الخارجية المرتبطة بها أو التهديدات المتوقعة أو الطارئة عليها، وعلى سبيل المثال بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وانتهاء الحرب الباردة لم تعد روسيا حتى سنوات قليلة تمثل تهديداً رئيسياً أو خطيراً للولايات المتحدة الأمريكية، ولأن الواقع الدولى والإقليمى متغير دائماً تتغير معه التهديدات باستمرار، وتطبيقاً لهذا المثال على مصر فإنها لم تكن تتعرض لتهديدات من دول حوض النيل، لكنها بدأت تواجه واقعاً جديداً بعد قيام إثيوبيا بالشروع فى بناء سد النهضة وعربياً كانت مصر فى الحقبة الناصرية على غير وفاق مع المملكة العربية السعودية، بينما انتقل الوضع الآن إلى تعاون قوى بين البلدين لذلك يصبح من المهم مراجعة التحديات التى تواجهها الدول من حين لآخر وهو ما تعكف على دراسته باستفاضة الأجهزة المختصة ومراكز الأبحاث لتقديم صورة صحيحة لمتخذ القرار.

تركيا أصبحت مصدر تهديد صريح لمصر بعد إقصاء «الإخوان» وإفشال حلمها فى استعادة وهم الخلافة

أولا: الدائرة العربية

تشهد المنطقة العربية حالة من عدم الاستقرار والاضطراب منذ بداية الربيع العربى الذى أحدث خلخلة لأنظمة الحكم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وانهياراً خطيراً فى الأوضاع الأمنية، وبمرور الوقت تفاقمت تداعيات ما بعد الربيع العربى إلى حد خطير، ولأن الأوضاع الأمنية فى المنطقة العربية آخذة فى التدهور الذى ينعكس على مصر ويؤثر فيها لذلك من اللازم قبل إيضاح التحديات التى تواجهها مصر عربياً رصد أوجه التغير المتمثلة فى العوامل الآتية:

1 أن العنصر الرئيسى فى الإخلال بمنظومة الأمن العربى الآن هو الإسلام السياسى وما يتبعه من تنظيمات مسلحة طورت تحولاً نوعياً فى قدرات وأساليب القتال بدعم غير مسبوق فى التسليح والتمويل والتسهيلات اللوجستية.

2 كان الربيع العربى فرصة ذهبية للتدخل فى شئون المنطقة من القوى الكبرى، وهنا يجب تذكر المخطط الأمريكى للشرق الأوسط الجديد الذى أعلن عنه صراحة فى عام 2006 أى منذ عقد وما ارتبط به طوال هذه الفترة من مخطط موازٍ ومتداخل هو الفوضى الخلاقة.

3 أدت الأوضاع المضطربة إلى قيام حروب أهلية فى أكثر من بلد عربى وفى الحروب الأهلية تتحول النزاعات الداخلية إلى حروب بالوكالة تغذيها قوى خارجية تتصارع ضد بعضها باستخدام العناصر الداخلية الموالية أو ترتب لأطماع فى الدولة المنتهكة.

4 أصبحت المنطقة العربية سوقاً رائجة لتجارة السلاح غير المشروعة ويتم تداوله على نطاق واسع بدرجة مفزعة نتيجة الإمداد به من بعض دول إقليم الشرق الأوسط واستيلاء عناصر الإسلام السياسى على مخازن أسلحة القذافى ذات الكميات الهائلة.

نتيجة للأوضاع السابقة أصبحت مصر فى القلب من دوامة المخاطر لأن تنظيمات الإسلام السياسى تحاول الانتقام من الشعب المصرى الذى أطاح بالإخوان المسلمين، التنظيم المركزى لقوى الإسلام السياسى وتنظيماته المسلحة العابرة للدولة القومية، مما أتاح لعناصر الإرهاب فى مصر مصدراً دائماً للتواصل المادى والمعنوى فى إطار شبكة إقليمية للإرهاب تقوم بالإمداد بالسلاح وتوفر مستويات التدريب المتقدمة والدعم اللوجيستى وتوفير الملاذ الآمن للقيادات والعناصر المطاردة، ونظراً لأن حدود مصر مع جارتيها العربيتين غرباً من ناحية ليبيا التى تعانى من الفوضى السياسية والأمنية وجنوباً من ناحية السودان الذى يخضع لحكومة محاطة بالمشكلات الداخلية وعلى غير وئام مع مصر، نتج أن واجهت مصر عمليات تهريب سلاح كثيرة من حدود البلدين، وقد بذلت القوات المسلحة جهوداً حثيثة وقوية لتأمين حدودها المفتوحة الممتدة براً لمسافات طويلة مع البلدين والممتدة بحراً فى مياه مفتوحة مع أكثر من دولة عربية أخرى، ونتيجة انشغال مصر بمحاربة الإرهاب ومواجهة الأزمة الاقتصادية تراجع دورها فى التدخل الفعال لمساعدة الدول المضطربة على حل مشاكلها وهنا يظهر تهديد طارئ للعمق الاستراتيجى من اتجاه الغرب استجد بعد إقحام داعش على المشهد الليبى الذى يتمدد على الأرض بمرور الوقت رغم قيام طائرات مجهولة بقصف التنظيم من حين لآخر، وأخيراً فإن مصر تتعرض لتهديد محتمل لخطوط نشاطها وأمنها البحرى يتمثل فى الأوضاع المضطربة جنوباً فى اليمن الشقيق، مما قد يتسبب فى تعطيل الملاحة فى باب المندب وبالتالى يتوقف مرور قوافل السفن فى قناة السويس أو تحجم بعضها عن استخدام القناة التى هى أحد مصادر الدخل القومى الرئيسية بعد انهيار السياحة. منذ سنوات قليلة لم تكن التهديدات القوية والمتعددة للأمن القومى تواجه القاهرة من الدائرة العربية بل كانت إحدى دوائر الاستقرار وتحسين الأوضاع فعلى سبيل المثال كان سوق العمالة الليبية يستوعب قرابة المليون عامل.

الأجهزة المختصة ومراكز الأبحاث تدرس التحديات الحالية لتقديم صورة صحيحة لمتخذ القرار

ثانيا: دائرة الشرق الأوسط (غير العربية)

وتتكون من ثلاث دول هى إسرائيل وتركيا وإيران ولا توجد حدود مباشرة لمصر سوى مع إسرائيل ومنذ توقيع اتفاقية السلام معها احتفظ البلدان بعلاقات مستقرة وإن كانت باردة على المستوى الشعبى، لكن بطبيعة الأوضاع فى الإقليم فإن الحفاظ على التوازن الاستراتيجى للقوة مع إسرائيل يبقى عاملاً جوهرياً لاستمرار السلام لاسيما أن عبارة «من النيل إلى الفرات» لم تلغ من قاموس إسرائيل التى يوجد بها متطرفون وصقور يحلمون بالتوسع.

أما عن إيران التى لا توجد لمصر علاقات دبلوماسية معها منذ وقت طويل، فإنها فى واقع الأمر لا تمثل أى تهديد مباشر لمصر لكنها متورطة فى مشاكل مع دول الخليج، مما يعنى أنها أصبحت تشكل تهديداً متوقعاً لمصر فى حال قيامها بالهجوم على أى دولة من هذه الدول لأن مصر لن تتوانى عن مشاركة دول الخليج فى الدفاع عن سيادتها واستقرارها، وفى مثل هذا الموقف فإن مصر يمكن أن تتعرض لهجوم مباشر على أراضيها بواسطة الصواريخ الباليستية التى تطورها إيران لتصبح طويلة المدى.

بالنسبة لتركيا فإنها أصبحت مصدر تحريض وتهديد صريح لمصر بعد أن قام الشعب المصرى برفض وإقصاء حكومة الإخوان المسلمين فى 30 يونيو 2013 ولأن الحزب الحاكم فى أنقرة ينتمى لهذا التنظيم يقوم بإيواء العناصر الإرهابية وقيادات الإخوان المسلمين نكاية فى الشعب المصرى الذى أطاح بحلم تركيا فى استعادة وهم الخلافة والتمدد إقليمياً عبر بوابة مصر الإخوانية، وتقوم الحكومة التركية انتقاماً بالتحريض على أعمال العنف والإرهاب داخل مصر، كما قامت أخيراً بدور خطير فى نقل عناصر داعش من سوريا والعراق إلى ليبيا لتكون عنصر تهديد للأمن القومى فى عمق مصر الاستراتيجى، كما أشير لذلك فيما تقدم، وتستغل تركيا تراجع الدور المصرى إقليمياً من أجل محاولة الانفراد والهيمنة على مجريات الأوضاع فى الشرق الأوسط، وخير دليل على ذلك تدخلها الإجرامى فى شئون سوريا والعراق وليبيا، وأخيراً تحاول تركيا السيطرة على غزة من خلال شرط للتصالح مع إسرائيل بإقامة خط مرور بحرى حر لتجعل من القطاع بؤرة مزمنة فى تصدير الإرهاب لمصر.

ثالثاً: الدائرة الأفريقية

حافظت مصر على علاقات وطيدة ومكانة الريادة بين الأشقاء فى أفريقيا وبلغ من قوة تأثير ومكانة مصر أن الدول الأفريقية قاطعت إسرائيل انتصاراً لحق مصر ودفاعاً عنها بعد حربى يونيو 1967 وأكتوبر 1973، لكن سرعان ما تدهورت هذه العلاقات عندما أعطى أنور السادات ظهره لهذا العمق الاستراتيجى الحيوى جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، واستمر هذا التوجه الغافل عن أفريقيا طوال سنوات حكم حسنى مبارك حتى تولى الرئيس «السيسى» الذى كان عليه معالجة هذا الإرث الثقيل من الإهمال والفشل فى أفريقيا الذى كان من تداعياته تفاقم أزمة دول حوض النيل، حيث قررت 6 من دول منابع النهر هى إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندى التوقيع فى مدينة «عنتيبى» الأوغندية على معاهدة جديدة لاقتسام موارده تنتهى بموجبها الحصص التاريخية لمصر والسودان وفقاً لاتفاقيات 1929، وفى توقيت سريع تلى ذلك قامت إثيوبيا ببناء سد النهضة الذى يشكل تهديداً خطيراً لموارد مصر المائية، لقد تجاهلت مصر أفريقيا فعاقبتها أفريقيا على ذلك وأصبح ظهير الأمس القريب مصدر تهديد مخيف بسبب سياسات قاتلة بلغت من الرعونة والغباء أنها لم تحافظ حتى عن علاقتها بدول حوض النيل فقط، مع التنبه إلى أن أفريقيا سوق بكر خسرتها مصر وإن كانت لا تزال هناك فرصة أخيرة لاستعادة جزء كبير منها.

أخبار متعلقة

التعليقات

الأكثر قراءة

عاجل