خالد عكاشة خالد عكاشة الولايات المتحدة والبحر العربى المتخيل (2)
الإثنين 12-03-2018 | PM 10:02

فى الفترة الحرجة شهور محدودة قبيل الرد الأمريكى، الذى كان يتم تجهيزه واختبار مفاتيحه، ونقاط الارتكاز التى سيتم الانطلاق منها، عقب صدمة هجوم «11 سبتمبر» عام 2001، ظلت إدارة الرئيس بوش الابن تتحرك على خريطة تحالفاتها، تفتح اتصالاتها مع الجميع، وتقيّم أوضاع الأرض التى تقف عليها.

من دون شك كانت تلك الفترة إرهاصاً للدخول إلى فصل جديد سيشهده العالم بأكمله، وسيتحدد وفق اعتبارات واختبارات معقدة حجم التغير فى مسار العلاقات الدولية المستقبلية، حيث كان أول فصول الزلزال الوشيك هو عملية ضرب أفغانستان التى سيعقبها «غزو العراق»، وكلاهما يمكن اعتباره بعد حدوثهما واقعياً محطة مؤسسة فعلية لتطور هائل اعترى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية ودوائر تماسها الأكثر أهمية وتأثيراً بالنسبة لها.

الإدارة الأمريكية، الجمهورية حينئذ، التى ضمت مشاهير واضعى ومنظّرى التغير الذى كان وشيكاً، لم تُخفِ نيتها، ولم تكن فى ظرف سياسى يسمح لها بتجميل ألفاظها. لذلك بدأت من كلمة الرئيس بوش شخصياً «من ليس معنا فهو ضدنا»، كمبدأ موجز ودال على ما ستكون عليه سنوات الجمر التى تلت المقولة. وخلال تلمُّس أطراف عربية عديدة لمواقعها حينذاك، جرت مقابلة ما بين السفير السعودى فى واشنطن «بندر بن سلطان»، الذى كان يلقب بعميد السفراء العرب (1983-2005)، مع أهم نماذج صقور تلك الإدارة «ديك تشينى»، نائب الرئيس، حيث ذكر الأخير لمحدّثه أن «بعض الناس يكبرون فى الأزمات، وبعضهم يصغرون.. الجنرال برفيز مشرف (رئيس باكستان) كبر فى هذه الأزمة وطالت قامته، كذلك بولنت أجاويد (رئيس وزراء تركيا)، وإلى حد ما فإن محمد خاتمى (رئيس الجمهورية فى إيران) أصبح أكبر».

لم يكن حديث «بن سلطان» سعودياً خالصاً، فهو فى مثل تلك المقامات ومع لقاءات وظروف وقتية وسياسية من هذا النوع، يصير «عربياً» كاملاً، بل وبمجرد وصوله الرياض، يطير مباشرة إلى عواصم عربية بعينها. وهنا اكتفى نائب الرئيس الأمريكى بالإشارة إلى من استطالت قامتهم، ولم يكن فى حاجة إلى ذكر نقيضهم، فقد كان الأمر له علاقة بالأوراق التى ستراهن عليها الولايات المتحدة لاحقاً، وهذا ما جرى فعلياً خلال عقد كامل بدأ من هذا التاريخ وامتد بعدها ليسلم المنطقة بكل ما جرى فيه لأعتاب العقد الثانى بالألفية الذى افتتح بموجة «الربيع العربى»!

ولإكمال الصورة عن تلك الفترة الحرجة، ظلت بالفعل الأسئلة التى تدور على ألسنة معظم المشتغلين والمهتمين بالسياسة الدولية، لها تقريباً ذات الحروف والصيغ الاستفهامية عن علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة العربية. وفى هذا نقل الأستاذ «هيكل» فى كتابه «الزمن الأمريكى» وقائع حوار دار بينه وبين السياسى الجزائرى البارز «الأخضر الإبراهيمى» مع أحد الدبلوماسيين الأمريكيين فى لندن، كان الحديث هذه المرة يستكشف معادلة التحالفات المزمع تشكيلها فيما يتعلق بالطرفين العربى والإسرائيلى. ولم يكن الدبلوماسى الأمريكى بأقل صراحة ووضوحاً من إدارته، فقد جاء رده للكاتب المصرى الشهير وللدبلوماسى الجزائرى العامل بالأمم المتحدة، والذى سيصير بعدها بأسابيع مبعوثها الخاص لأفغانستان، على النحو الذى لا يدعو للالتباس بقدر ما يدفع للتفكير الحقيقى فى مدلولاته الواقعية: «لتكن الأمور واضحة.. إسرائيل صديق وحليف، ونحن نسلم بأنها حليف متعب ومشاكس، لكنها حليف، وهى حليف قادر يستطيع أن يعتمد على نفسه فى تحقيق مطالبه و(مطالب أصدقائه).. وعلى الناحية الأخرى.. فإن العرب أصدقاء، لكنهم ليسوا حلفاء، ونحن نسلم أنهم صديق طيب ومريح، لكنه صديق لا يستطيع أن يعتمد على نفسه فى تحقيق مطالبه و(يطلب من غيره أن يحققها له)».

مباشرة بعد هذه الحوارات وغيرها انطلقت آلة الحرب والسياسة الأمريكية الهادرة لتعيد تشكيل علاقاتها قبل سياساتها الخارجية. جرى ذلك على مدار عقد كامل، انطلق من حطام برج التجارة العالمى فى نيويورك، ولم يتوقف عند جبال تورا بورا أو أسوار بغداد، بل كان يتحرك فى كل الاتجاهات بسرعة هائلة، قابلته منطقتنا العربية وحدها بالانبهار والخوف الذى يليق به!

كانت هناك محطات سبقت هذا المشهد المفصلى، والكثير الذى جاء بعده، وربما لم يخطر ببالنا أن مصير منطقتنا، يحتاج فعلياً لوقفة تعبوية بالمصطلح العسكرى من أجل صياغة مفاهيم استراتيجية جديدة تصيغ بشكل واقعى مشروعنا الخاص الذى يلزمه أن يكون وطنياً فى المقام الأول، وأن يكون فى القلب منه الإجابة عن سؤال «الاعتماد على الذات»، وامتلاك المصير، وتسليمه لأبناء تلك البلدان المعنية بصناعة مستقبلها بين الأمم.

تعبير «شرطى المنطقة» الذى تردد لعقود، وسُطرت حوله آلاف الأبحاث والدراسات المنشورة والمقروءة التى ظلت تقلب المصطلح على كافة جوانبه، من خلال وضع فرضيات وتجارب يمكن اختبارها، مثل أن يلعب دوره شاه إيران قبيل رحيله بالثورة الإسلامية، أو يكون الأمر إسرائيلياً من خلال ضمان انخراط المنظومة العربية داخل حزمة «معاهدات سلام»، تبرمها دول الطوق العربى ومن ثم ينخرط فيها البقية من الدول، فيما عُرف بـ«المبادرة العربية». وعشية انطلاق موجة «الربيع العربى» كان الطرح تركياً حينذاك، وكان مقبلاً كى يجرب حظه فى الاستيلاء على تلك المهمة. وحتى اللحظة لم تختفِ مفاصل الخطة وجوهرها، وإن غاب المصطلح قليلاً عن التداول خلف ستار رصاص الإرهاب، لكنه يظل حاضراً فى «مفخخة» تتربص على ناصية الطريق إلى المستقبل، فى الوقت الذى لم نناقش فيه من الأساس أصل النظرية، أو يطرح بجدية من أهلها سؤال حاكم: وهل تحتاج المنطقة بالفعل إلى شرطى ينظم الحماية ويحدد خطوط السير؟!

قبل الإجابة المعمقة عن هذا التساؤل، وتنحية جميع الذرائع وزيغ الإرادة جانباً، يظل أى حديث آخر، من نوعية البحث عن مخارج الهروب، هو فراغ لا يعول عليه.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل